المقدمة: 27.5 مليون مستخدم، صفر مساءلة محلية
بلغت العلاقة بين الجزائر ومنصات التواصل الاجتماعي العالمية نقطة تحول. بحلول أواخر عام 2025، بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في البلاد 27.5 مليون، أي ما يعادل 57.7 بالمائة من إجمالي السكان. يتصدر Facebook بـ 27.5 مليون مستخدم، وقفز TikTok إلى 24.8 مليون مستخدم تبلغ أعمارهم 18 عاماً فما فوق (بزيادة سنوية قدرها 22.6 بالمائة)، ويصل YouTube إلى 25.4 مليون، وتجاوز Instagram حاجز 13.5 مليون.
ومع ذلك، لا تمتلك أي من هذه المنصات مكتباً فعلياً في الجزائر. ولا توظف أي منها ممثلاً قانونياً محلياً. ولا تخزن أي منها بيانات المستخدمين الجزائريين على التراب الجزائري. ولا تقدم أي منها تقارير امتثال لأي سلطة جزائرية. عندما تصدر المحاكم الجزائرية أوامر إزالة محتوى، لا تجد كياناً محلياً لتبليغه. وعندما يقدم المواطنون شكاوى تتعلق بالخصوصية، لا توجد نقطة اتصال محلية لمعالجتها.
قدّم النائب بوحالي عبد الباسط مشروع قانون في المجلس الشعبي الوطني يهدف إلى تغيير هذا الواقع بالكامل. كما يضيف مشروع قانون مكمّل للنائب يوسف عجيسة من حركة مجتمع السلم بُعداً تنظيمياً آخر: حجب الوصول إلى مواقع المحتوى الإباحي في جميع أنحاء البلاد.
يمثل هذان المشروعان معاً النسخة الجزائرية من الموجة التنظيمية التي أعادت تشكيل المشهد الرقمي في أوروبا والهند وتركيا والبرازيل خلال السنوات الثلاث الماضية.
مشروع بوحالي: ستة ركائز لمساءلة المنصات
يستهدف مشروع القانون الذي قدمه بوحالي عبد الباسط المنصات الرقمية الكبرى العاملة في الجزائر، والمُعرّفة بأنها تلك التي تضم أكثر من مليون مستخدم أو تتجاوز حداً محدداً من الإيرادات. يحدد المشروع ستة التزامات أساسية.
1. اشتراط المكتب المحلي
يجب على كل منصة مؤهلة إنشاء مكتب فعلي على التراب الجزائري. لا يتعلق الأمر بمجرد عنوان بريدي أو ترتيب وكيل مسجل. يتصور مشروع القانون مكاتب تشغيلية قادرة على التفاعل مع الجهات التنظيمية، والاستجابة للطلبات القضائية، والعمل كنقطة اتصال للمستخدمين والسلطات الجزائرية. وهذا يعكس متطلبات سارية بالفعل بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، وقانون وسائل التواصل الاجتماعي التركي (القانون رقم 7253)، وقواعد تكنولوجيا المعلومات الهندية.
2. ممثل قانوني معيّن
يجب على المنصات تعيين ممثل قانوني مقيم في الجزائر يتحمل المسؤولية الشخصية عن الامتثال. سيكون هذا الممثل المخاطب بالأوامر القضائية والإشعارات التنظيمية وطلبات الجهات الأمنية. ويجب إبلاغ الهيئة الوطنية لتنظيم الفضاء الرقمي المقترحة بهذا التعيين.
3. توطين البيانات
يجب تخزين بيانات المستخدمين المنتمين للمواطنين الجزائريين داخل الجزائر أو في مراكز بيانات معتمدة تستوفي المعايير التي تحددها الهيئة التنظيمية. يُعد هذا الحكم الأكثر ثقلاً من الناحية التقنية في مشروع القانون. تشترط الجزائر بالفعل على مشغلي السحابة العامة استضافة بنيتهم التحتية على التراب الجزائري بموجب قاعدة سلطة الضبط من نوفمبر 2017، ويفرض قانون التجارة الإلكترونية لعام 2018 (القانون 18-05) الاستضافة المحلية للمواقع التجارية، وينظم قانون الحوسبة السحابية لعام 2022 (القانون 22-39) تخزين البيانات السحابية بشكل أكبر. يوسع مشروع بوحالي منطق السيادة على البيانات ليشمل منصات التواصل الاجتماعي.
بالنسبة لمنصات مثل TikTok (المملوكة لشركة ByteDance) وMeta (التي تشغّل Facebook وInstagram)، والتي تدير مراكز بيانات مركزية ضخمة في الولايات المتحدة وأوروبا وسنغافورة، فإن الامتثال لتوطين البيانات الخاص بالجزائر سيتطلب استثماراً كبيراً في البنية التحتية أو شراكة مع مزودي مراكز البيانات المحليين.
4. إزالة المحتوى خلال 24 ساعة
يجب على المنصات إزالة المحتوى المُبلّغ عنه باعتباره غير قانوني بموجب القانون الجزائري خلال 24 ساعة من الإخطار. يحدد مشروع القانون أن عملية الإخطار ستُرسّم من خلال الهيئة التنظيمية، مما يُنشئ قناة منظمة بدلاً من الاعتماد على طلبات الإزالة العشوائية.
هذا الإطار الزمني البالغ 24 ساعة أكثر صرامة من قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي الذي يتطلب إزالة “سريعة” دون تحديد إطار زمني ثابت، وأسرع من نافذة الـ 48 ساعة في تركيا لإزالة المحتوى بناءً على طلب المستخدمين بموجب القانون 7253 (رغم أن تركيا تشترط الامتثال خلال 24 ساعة للأوامر القضائية). حددت قواعد تكنولوجيا المعلومات الهندية في البداية نافذة 36 ساعة في عام 2021 لكنها خفّضتها إلى 3 ساعات فقط في فبراير 2026.
5. تقارير امتثال نصف سنوية
يجب على المنصات المؤهلة تقديم تقارير امتثال كل ستة أشهر إلى الهيئة التنظيمية. تفصّل هذه التقارير إجراءات إدارة المحتوى المتخذة، وممارسات التعامل مع البيانات، وتدابير الشفافية الإعلانية، وإحصاءات حل شكاوى المستخدمين.
6. عقوبات تدريجية
يُنشئ مشروع القانون نظام عقوبات تدريجي، يشمل غرامات مالية كبيرة، وقيوداً مؤقتة على الخدمة، وملاحقات جزائية للمخالفات الجسيمة أو المتكررة. يتصور المقترح إنشاء هيئة وطنية لتنظيم الفضاء الرقمي، وهي هيئة مستقلة ملحقة برئاسة الجمهورية، مخولة بفرض الغرامات وتقييد الخدمات أو بدء الإجراءات القانونية.
مشروع عجيسة: حجب مواقع المحتوى الإباحي
بالتوازي مع مشروع بوحالي، تجري مبادرة تشريعية منفصلة للنائب يوسف عجيسة من حركة مجتمع السلم. هذا المشروع الذي أُحيل إلى الحكومة في 2 مارس 2026، بعد اجتيازه مرحلته المؤسسية الأولى في مكتب المجلس الشعبي الوطني، يستهدف المواقع التي توزع محتوى جنسياً صريحاً أو مواد تنتهك الآداب العامة.
يفرض مشروع القانون التزامات تقنية مباشرة على مشغلي الاتصالات. سيُطلب من مزودي خدمات الإنترنت تطبيق تدابير الحجب فوراً عند الإخطار بقرار الحجب وتحديث أنظمة التصفية بانتظام. يشمل النطاق المواقع المستضافة داخل الجزائر وتلك التي يمكن الوصول إليها من الخارج.
يرتكز تبرير عجيسة على حماية القاصرين، مستشهداً بمخاطر الإدمان والعزلة الاجتماعية وتراجع الأداء الدراسي. كما يشير المشروع إلى الروابط بين بعض المنصات والجريمة الإلكترونية العابرة للحدود.
يجب على الحكومة الآن تبني النص أو تعديله أو اقتراح تعديلات عليه قبل عودته إلى البرلمان لمناقشة كاملة وتصويت. لم يُحدد موعد لجلسة عامة.
ثلاثة أهداف: القيم والحماية والسيادة
تحدد المذكرة التفسيرية لمشروع بوحالي ثلاثة أهداف جوهرية:
الحفاظ على القيم الدينية والاجتماعية. يُكرّس الدستور الجزائري الإسلام ديناً للدولة، ويتضمن الإطار القانوني للبلاد أحكاماً لحماية الأخلاق العامة. يُؤطّر مشروع القانون تنظيم المنصات جزئياً باعتباره دفاعاً عن الهوية الثقافية الجزائرية في مواجهة تدفقات المحتوى غير المُعتدل من منصات مصممة لجماهير عالمية، غالباً ما تكون متمركزة حول الثقافة الغربية.
حماية الأطفال والمراهقين. مع نمو قاعدة مستخدمي TikTok الجزائريين بنسبة 22.6 بالمائة سنوياً، وتصميم خوارزمية المنصة لتعظيم التفاعل بين الفئات العمرية الأصغر، أصبحت سلامة الأطفال مصدر قلق رئيسي. الجزائر ليست وحدها في ذلك: فقد شددت الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وأستراليا والعديد من الولايات القضائية الأخرى متطلبات سلامة الأطفال على المنصات بين عامي 2024 و2026.
تعزيز السيادة الرقمية. هذا هو الحجة الجيوسياسية. عندما تعمل المنصات دون وجود محلي، وتجمع البيانات دون رقابة محلية، وتُدير المحتوى وفقاً لسياسات صُممت في وادي السيليكون، فإن البلد المضيف يتنازل فعلياً عن سيادته على فضائه العام الرقمي. يهدف مشروع القانون إلى استعادة جزء من تلك السيادة.
الهيئة التنظيمية: سلطة وطنية جديدة
الحكم الأكثر أهمية من الناحية الهيكلية في مشروع بوحالي هو إنشاء هيئة وطنية لتنظيم الفضاء الرقمي. ستكون هذه الهيئة المستقلة تابعة مباشرة لرئاسة الجمهورية ومسؤولة عن:
- تلقي ومعالجة إشعارات إزالة المحتوى
- إدارة نظام تسجيل المنصات والامتثال
- إجراء عمليات التدقيق والتحقيقات
- فرض العقوبات الإدارية
- نشر تقارير شفافية سنوية حول حالة امتثال المنصات الرقمية
تمتلك الجزائر بالفعل سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية (ARPCE) التي تشرف على الاتصالات. ستعمل الهيئة المقترحة في دور تكميلي، مركّزة تحديداً على منصات المحتوى بدلاً من البنية التحتية للاتصالات.
مسألة الاستقلال المؤسسي بالغة الأهمية. لكي تعمل الهيئة بفعالية، ستحتاج إلى استقلالية تشغيلية وخبرة تقنية واستقلال في الميزانية. قد يوفر ارتباط المشروع برئاسة الجمهورية ثقلاً سياسياً، لكنه يثير أيضاً تساؤلات حول قدرة الهيئة على مقاومة الضغوط السياسية في قرارات إدارة المحتوى.
كيف تقارن الجزائر: الموجة العالمية لتنظيم المنصات
يدخل مشروع القانون الجزائري مشهداً عالمياً مزدحماً. وفيما يلي مقارنة أحكامه بالأطر القائمة:
| الحكم | الجزائر (مقترح) | قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي | تركيا القانون 7253 | الهند قواعد تكنولوجيا المعلومات 2021 |
|---|---|---|---|---|
| مكتب محلي | مطلوب | ممثل قانوني مطلوب | مطلوب | مطلوب |
| ممثل قانوني | مطلوب | مطلوب | مطلوب (كيان أو مواطن تركي) | مطلوب |
| توطين البيانات | مطلوب | غير مطلوب (ملاءمة) | مطلوب للبيانات التركية | غير إلزامي |
| مهلة إزالة المحتوى | 24 ساعة | “بسرعة” (بدون مهلة محددة) | 48 ساعة (المستخدمون) / 24 ساعة (المحاكم) | 36 ساعة (خُفضت إلى 3 ساعات في فبراير 2026) |
| تقارير الامتثال | نصف سنوية | سنوية | نصف سنوية (بالتركية) | شهرية |
| هيئة تنظيمية | سلطة جديدة | منسقو الخدمات الرقمية | BTK (منظم الاتصالات) | MeitY |
يُعد اشتراط توطين البيانات في الجزائر أكثر صرامة بشكل ملحوظ من النهج الأوروبي الذي يعتمد على قرارات الملاءمة بدلاً من التخزين المحلي الإلزامي. يعكس هذا الموقف التنظيمي القائم للجزائر: تشترط قاعدة سلطة الضبط لنوفمبر 2017 للحوسبة السحابية بالفعل أن يستضيف مشغلو السحابة العامة بنيتهم التحتية محلياً، ويُقيّد القانون 18-07 لحماية البيانات الشخصية عمليات نقل البيانات عبر الحدود عندما قد تهدد الأمن العام.
إعلان
مسألة الإيرادات الإعلانية
هناك بُعد لا يتناوله مشروع القانون صراحةً لكنه يُشكّل الحساب التنظيمي بأكمله، وهو الإيرادات الإعلانية. تستمد منصات التواصل الاجتماعي إيراداتها من الإعلانات، والجزائر تمثل سوقاً إعلانية ذات أهمية وإن لم تكن مهيمنة.
وفقاً لتقرير Digital 2026 من DataReportal، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الجزائر 37.8 مليون بحلول أواخر 2025، بنسبة انتشار 79.5 بالمائة. بلغ مدى الوصول الإعلاني لـ Facebook في الجزائر 27.5 مليون مستخدم، مما يجعلها واحدة من أكبر الجماهير في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويمثل مدى الوصول الإعلاني لـ TikTok البالغ 24.8 مليون بالغ جزائري (18 عاماً فما فوق) إمكانات تجارية كبيرة.
بالنسبة للمنصات التي تدرس ما إذا كانت ستمتثل لمتطلبات الجزائر أو تُقلص وجودها، فإن حساب الإيرادات الإعلانية مهم. الأسواق ذات قواعد المستخدمين الكبيرة والنشطة والمتنامية يصعب التخلي عنها مقارنة بالأسواق الصغيرة. إن مزيج الجزائر من الشباب الديموغرافي (متوسط العمر حوالي 29 عاماً) وانتشار الهواتف الذكية العالي والتبني المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي يجعلها سوقاً من غير المرجح أن تتخلى عنها المنصات طوعاً.
يمنح هذا الجزائر نفوذاً تفاوضياً كبيراً. أظهرت التجربة التركية هذه الديناميكية: قاومت المنصات في البداية اللوائح التركية لكنها امتثلت في نهاية المطاف لأن السوق التركية (85 مليون نسمة، انتشار رقمي عالٍ) كانت أثمن من أن تُهجر. الجزائر، بـ 47.6 مليون نسمة وأسرع معدل نمو لـ TikTok في شمال أفريقيا (22.6 بالمائة سنوياً)، تحتل موقعاً مماثلاً.
دروس من قانون وسائل التواصل الاجتماعي التركي
تقدم تجربة تركيا مع القانون رقم 7253 (يوليو 2020) أقرب سابقة لما قد تتوقعه الجزائر. اشترط القانون التركي على المنصات التي تضم أكثر من مليون مستخدم يومي تعيين ممثل محلي، والاستجابة لأوامر إزالة المحتوى خلال 48 ساعة، وتخزين بيانات المستخدمين الأتراك محلياً.
كان رد الفعل الأولي للمنصات هو التحدي. رفض Facebook وTwitter وYouTube وTikTok الامتثال في البداية. في نوفمبر 2020، فرضت هيئة BTK التركية غرامات إدارية بقيمة 10 ملايين ليرة تركية على تسع منصات بما فيها Facebook وYouTube وTwitter وInstagram وTikTok وPinterest. أجاز القانون عقوبات تصاعدية: أولاً حظر الإعلانات، ثم خنق عرض النطاق الترددي بنسبة 50 بالمائة، يرتفع إلى 90 بالمائة في حالة استمرار عدم الامتثال.
خلال أشهر، عيّنت جميع المنصات الكبرى ممثلين محليين. أثبت التهديد بخنق عرض النطاق الترددي أنه حاسم. تبع ذلك الامتثال في مجال إزالة المحتوى، رغم استمرار النقاشات حول الإفراط في الإزالة والرقابة السياسية.
بالنسبة للجزائر، تُظهر الحالة التركية كلاً من الإمكانات والمخاطر المتعلقة بتنظيم المنصات. من الجانب الإيجابي، تُبيّن أن ضغط التطبيق الموثوق يعمل. من الجانب التحذيري، تكشف أن آليات إزالة المحتوى، بمجرد إنشائها، يمكن استخدامها لأغراض سياسية تتجاوز مبرر السلامة العامة الأصلي. سيكون تصميم الهيئة الوطنية لتنظيم الفضاء الرقمي المقترحة في الجزائر، ودرجة استقلاليتها عن التأثير السياسي، حاسمين في تحديد ما إذا كان النظام يخدم السلامة الرقمية أم يصبح أداة للتحكم في المحتوى.
التأثير على منظومة الشركات الناشئة الجزائرية
من الأبعاد التي غالباً ما يُغفل عنها في تنظيم المنصات تأثيره على الأعمال الرقمية المحلية. تعتمد منظومة الشركات الناشئة الناشئة في الجزائر بشكل كبير على المنصات الدولية لاكتساب العملاء والتسويق والتواصل. تستخدم الشركات الصغيرة للتجارة الإلكترونية Facebook وInstagram كواجهات متاجر رئيسية. يبني صناع المحتوى مسيرتهم المهنية على TikTok وYouTube. تعتمد وكالات التسويق الرقمي على منصات Meta وGoogle الإعلانية في نموذج عملها.
إذا فرض التنظيم تكاليف تُمررها المنصات للمعلنين (من خلال أسعار إعلانية أعلى أو قدرات استهداف منخفضة في الجزائر)، فقد يكون التأثير على الشركات الصغيرة كبيراً. في المقابل، إذا حسّن التنظيم شفافية البيانات والمساءلة الإعلانية، فقد يُنشئ بيئة إعلانية رقمية أكثر موثوقية تفيد الشركات المشروعة.
سيحتاج واضعو مشروع القانون إلى دراسة هذه التأثيرات غير المباشرة بعناية. الهدف هو مساءلة المنصات، وليس عبء تنظيمي يضر عن غير قصد بالاقتصاد الرقمي الجزائري الذي يهدف إلى حمايته.
تحديات التنفيذ
البنية التحتية التقنية
تُعد قدرة مراكز البيانات الجزائرية محدودة مقارنة بما تحتاجه المنصات الكبرى لتوطين كامل للبيانات. تعالج Meta مليارات التفاعلات اليومية من قاعدة مستخدميها الجزائريين. إن توطين حتى البيانات الوصفية المرتبطة بهذه التفاعلات سيتطلب قدرة خوادم كبيرة. يسمح مشروع القانون بالتخزين في “مراكز معتمدة”، مما قد يُمكّن من شراكات مع مزودي السحابة المحليين أو مشغلي مراكز البيانات الإقليميين، لكن إطار الاعتماد يحتاج إلى إنشاء. تعتمد سلطة الضبط حالياً مزودي سحابة تشمل ISAAL وAYRADE وeBS وADEX Cloud، لكن لا يعمل أي منهم بالحجم المطلوب من المنصات العالمية.
حوافز امتثال المنصات
السؤال المركزي للتطبيق هو النفوذ. عندما فرضت تركيا قانون وسائل التواصل الاجتماعي في 2020، قاومت المنصات في البداية. ردت أنقرة بغرامات إدارية وحظر إعلانات وتهديد بخنق عرض النطاق الترددي حتى 90 بالمائة. امتثلت المنصات في النهاية لأن السوق التركية كانت أثمن من أن تُهجر. من المرجح أن تواجه الجزائر مقاومة أولية مماثلة وستحتاج إلى إثبات قدرة تطبيق موثوقة.
إدارة المحتوى بالعربية والدارجة
تتطلب مهلة إزالة المحتوى البالغة 24 ساعة أن تمتلك المنصات قدرة على إدارة المحتوى باللغة العربية. رغم أن المنصات الكبرى استثمرت في إدارة المحتوى العربي، فإن معظم هذا الاستثمار يتركز على العربية الفصحى الحديثة ولهجات الخليج. تمثل الدارجة الجزائرية والثقافة الإلكترونية ثنائية اللغة (فرنسية-عربية) في البلاد تحديات إدارية فريدة لم تمنحها المنصات تاريخياً الموارد الكافية.
الموازنة بين التنظيم والوصول
هناك توتر حقيقي بين مساءلة المنصات والوصول إلى الإنترنت. إذا اعتُبرت تكاليف الامتثال مرتفعة جداً مقارنة بإمكانات إيرادات السوق الجزائرية، فقد تُفكر المنصات في تقليص خدماتها بدلاً من الاستثمار في بنية تحتية محلية. هذا غير مرجح بالنسبة لـ Facebook وYouTube اللذين يمتلكان قواعد مستخدمين جزائريين ضخمة، لكن المنصات الأصغر قد تختار الانسحاب بدلاً من الامتثال.
ماذا يعني هذا لمنظومة الجزائر الرقمية
في حال اعتمادها، ستُعيد التشريعات تشكيل المشهد الرقمي الجزائري بشكل كبير. إلى جانب التأثير المباشر على المنصات الدولية، يمكن للإطار التنظيمي أن:
يُحفّز الاستثمار المحلي في مراكز البيانات. تُنشئ متطلبات توطين البيانات طلباً على البنية التحتية للاستضافة المحلية. يمكن لقطاع التكنولوجيا الجزائري، الذي نما حول الحوسبة السحابية والخدمات المُدارة، أن يستفيد من زيادة الاستثمار في قدرة مراكز البيانات.
يُرسي سابقة لتنظيم رقمي أوسع. يمكن لإطار مساءلة المنصات، بمجرد إنشائه، أن يمتد إلى خدمات رقمية أخرى بما في ذلك أسواق التجارة الإلكترونية وتطبيقات النقل والمنصات المالية التقنية.
يُحسّن حل النزاعات للمستخدمين. مع وجود ممثلين قانونيين محليين وسلطة تنظيمية مخصصة، سيمتلك المستخدمون الجزائريون مسارات أوضح للشكاوى المتعلقة بقرارات إدارة المحتوى وانتهاكات الخصوصية والممارسات الإعلانية.
يُوجد وظائف امتثال. تحتاج المكاتب المحلية إلى موظفين محليين ذوي خبرة في إدارة المحتوى والشؤون القانونية والعلاقات الحكومية والعمليات التقنية. يمثل هذا فئة توظيف جديدة في قطاع التكنولوجيا الجزائري.
منظور الحقوق الرقمية
يجب على أي قانون لتنظيم المنصات أن يتنقل بين التوتر القائم بين المساءلة والوصول. يطرح المدافعون عن الحقوق الرقمية مخاوف مشروعة حول كيفية استخدام آليات إزالة المحتوى. يمكن تطبيق مهلة إزالة 24 ساعة تديرها سلطة ملحقة بالحكومة على الكلام المشروع بنفس سهولة تطبيقها على المحتوى الضار فعلاً.
يُؤطّر مشروع بوحالي أحكام إدارة المحتوى حول “المحتوى غير القانوني بموجب القانون الجزائري”، وهو ما يشمل مجموعة واسعة من المواد. يتضمن الإطار القانوني الحالي للجزائر أحكاماً تتعلق بالأخلاق العامة والأمن الوطني والتشهير التي قد تتسع في نطاقها بحسب التفسير.
السوابق الدولية مفيدة. استُخدمت قواعد تكنولوجيا المعلومات الهندية (2021) للمطالبة بإزالة محتوى ينتقد السياسات الحكومية. سهّل قانون وسائل التواصل الاجتماعي التركي إزالة محتوى صحفي. يحاول قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي التخفيف من هذا الخطر من خلال ضمانات إجرائية مفصلة وآليات طعن ومتطلبات شفافية.
لكي يحقق مشروع القانون الجزائري مساءلة المنصات دون أن يصبح أداة رقابة، سيحتاج إلى حمايات إجرائية قوية: تعريفات واضحة لفئات المحتوى غير القانوني، وعملية طعن مستقلة لقرارات إزالة المحتوى، وتقارير شفافية إلزامية حول طلبات ونتائج الإزالة، ورقابة قضائية على أوامر الحجب.
تصميم الهيئة الوطنية لتنظيم الفضاء الرقمي المقترحة محوري في هذا التوازن. إذا عملت الهيئة باستقلالية حقيقية وإجراءات شفافة وآليات مراجعة قضائية، يمكنها خدمة السلامة الرقمية. أما إذا عملت كامتداد للسلطة التنفيذية دون ضوابط، فإن خطر التجاوز التنظيمي حقيقي.
الوضع الحالي والجدول الزمني
مشروع بوحالي قيد الدراسة في المجلس الشعبي الوطني. استأنف المجلس أعماله في مارس 2026 للتصويت على خمسة مشاريع قوانين — القانون العضوي للأحزاب السياسية، والتنظيم الإقليمي، وتجريم الاستعمار، وقانون المرور، وقانون ضبط الميزانية لعام 2023 — لكن مشروع قانون تنظيم المنصات لم يكن من بينها. ويبقى جدوله الزمني للنقاش في الجلسة العامة غير محدد.
اجتاز مشروع عجيسة لحجب المحتوى الإباحي مرحلته المؤسسية الأولى وأُحيل إلى الحكومة للفحص. يجب على الحكومة الآن مراجعة النص وتعديله المحتمل قبل عودته إلى البرلمان.
يندرج كلا المشروعين ضمن لحظة تشريعية أوسع في الحوكمة الرقمية للجزائر. إلى جانب الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025-2029 المعتمدة بالمرسوم الرئاسي 25-321، والمرسوم الرئاسي 25-320 الذي يُنشئ إطاراً وطنياً لحوكمة البيانات، ومشروع قانون الهوية الرقمية المعتمد في نوفمبر 2025، تبني الجزائر بنية تنظيمية شاملة لاقتصادها الرقمي.
بالنسبة لشركات المنصات، الرسالة واضحة: عصر العمل في الجزائر دون مساءلة محلية يقترب من نهايته. السؤال الوحيد هو مدى سرعة وصرامة تطبيق تلك المساءلة.
الأسئلة الشائعة
ما الالتزامات الست الأساسية التي يفرضها مشروع قانون Bouhali على المنصات التي تضم أكثر من مليون مستخدم جزائري؟
يُلزم مشروع القانون المنصات المؤهلة (تلك التي تضم أكثر من مليون مستخدم أو تتجاوز عتبة إيرادات محددة) بـ: (1) إنشاء مكتب فعلي على الأراضي الجزائرية؛ (2) تعيين ممثل قانوني مقيم في الجزائر يتحمل المسؤولية الشخصية عن الامتثال؛ (3) تخزين بيانات المستخدمين الجزائريين داخل الجزائر أو في مراكز بيانات محلية معتمدة؛ (4) إزالة المحتوى غير القانوني خلال 24 ساعة من الإخطار؛ (5) تقديم تقارير امتثال نصف سنوية تفصّل إجراءات الإشراف على المحتوى ومعالجة البيانات وحل الشكاوى؛ و(6) مواجهة عقوبات متدرجة تشمل غرامات مالية وتقييد الخدمات أو ملاحقة جنائية تحت سلطة وطنية جديدة لتنظيم الفضاء الرقمي تابعة لرئاسة الجمهورية.
كيف يقارن مهلة الـ 24 ساعة المقترحة في الجزائر لإزالة المحتوى بقانون الخدمات الرقمية الأوروبي والقانون التركي 7253 وقواعد تكنولوجيا المعلومات الهندية؟
إزالة المحتوى الإلزامية خلال 24 ساعة المقترحة في الجزائر أكثر صرامة من قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي الذي يشترط إزالة “سريعة” دون إطار زمني محدد، وتتماشى مع مهلة 24 ساعة في تركيا للمحتوى بأمر قضائي بموجب القانون 7253 (رغم أن تركيا تمنح 48 ساعة لطلبات المستخدمين). كانت الهند قد حددت في البداية مهلة 36 ساعة في قواعد تكنولوجيا المعلومات لعام 2021 لكنها شددتها بشكل كبير إلى 3 ساعات فقط في فبراير 2026. يقع نهج الجزائر في منتصف هذا الطيف العالمي، موازناً بين إلحاح التطبيق والجدوى التشغيلية للمنصات.
مع 27.5 مليون مستخدم لوسائل التواصل الاجتماعي ونمو TikTok بنسبة 22.6% ليصل إلى 24.8 مليون مستخدم، ما النفوذ السوقي الذي تمتلكه الجزائر على المنصات العالمية؟
يمنح تعداد الجزائر البالغ 47.6 مليون نسمة مع نسبة انتشار إنترنت تبلغ 79.5% و27.5 مليون هوية على وسائل التواصل (57.7% من السكان) نفوذاً سوقياً كبيراً. يتصدر Facebook بـ 27.5 مليون مستخدم، وقفز TikTok إلى 24.8 مليون مستخدم بعمر 18 سنة فما فوق (بزيادة 22.6% سنوياً)، ويصل YouTube إلى 25.4 مليون، وتجاوز Instagram حاجز 13.5 مليون. تُظهر تجربة تركيا مع قانونها لتنظيم المنصات أنه عندما تبلغ الأسواق هذا الحجم، تمتثل المنصات في النهاية بدلاً من المخاطرة بفقدان الوصول — فرضت تركيا مكاتب محلية منذ 2020 وامتثلت جميع المنصات الكبرى في النهاية رغم المقاومة الأولية.
المصادر والقراءات الإضافية
- Algeria Moves to Tighten Regulation of TikTok, Facebook, and YouTube — We Are Tech Africa
- Algeria Sets ‘Red Lines’ for TikTok, Facebook, Instagram: Bill Proposes Strict Digital Platform Regulations — The Maghreb Times
- Un député du MSP propose de bloquer les sites pour adultes — TSA Algérie
- Les sites pornographiques bientôt bloqués en Algérie ? — La Nouvelle Tribune
- Digital 2026: Algeria — DataReportal
- APN to Resume Work Monday to Vote on Five Draft Laws — Africa News
- Algeria Charts Its Digital Sovereignty: National Cybersecurity Strategy 2025-2029 — DzairTube
- Algeria Approves Draft Legislation on Digital ID, Trust Services — Biometric Update
- Regulating Social Media Platforms in Turkey — ARTICLE 19
- Algeria Data Protection Law 18-07 — ARPCE















