هيئة استيقظت من سُباتها
شكَّل مجلس المنافسة الجزائري على مدار معظم تاريخه مؤسسةً نظريةً في معظمها. أُسِّس بموجب المرسوم 03-03 المتعلق بالمنافسة والمُعدَّل بالقانون 08-12، وكان يحمل تفويضاً رسمياً لمكافحة الممارسات المنافية للمنافسة — تثبيت الأسعار، واقتسام الأسواق، وإساءة استغلال مراكز الهيمنة — في جميع القطاعات الاقتصادية. غير أن المجلس ظل في الواقع خاملاً لفترات مطوَّلة، بسبب نقص الأعضاء وضعف الموارد التشغيلية وثقافة قانونية كانت تُفضِّل منح التراخيص القطاعية على التنفيذ المتقاطع للقواعد.
تغيَّر هذا الوضع تغيُّراً جوهرياً بين أكتوبر 2024 وفبراير 2025. في أكتوبر 2024، نفَّذ المجلس أولى مداهماته على الإطلاق — عمليات تفتيش ميدانية مباغتة ومفاجئة في مقار الشركات — وهو ما يمثل منعطفاً تاريخياً في تطبيق قانون المنافسة بالجزائر. تُعدُّ المداهمات أكثر أدوات التنفيذ توغلاً؛ فاستخدامها يُشير إلى أن المجلس يمتلك الثقة القانونية والطاقة التشغيلية للتحرك. وفي فبراير 2025، أُعلن رسمياً عن التشكيلة الجديدة للمجلس، مُكتملةً بذلك عملية إعادة هيكلة كانت في طور الإعداد. والأثر المشترك لهاتين الخطوتين هو مؤسسة مُجدَّدة هيكلياً ومُفعَّلة سلوكياً.
على شركات التقنية والاتصالات والمنصات الرقمية في الجزائر أن تدرك مدى أهمية هذا التحوُّل من زوايا لم تُقيِّمها معظم فرق الامتثال بالكامل بعد.
البنية التنفيذية المزدوجة وبُعدها الرقمي
يستلزم فهم الأثر الاستثنائي لإحياء مجلس المنافسة على مشغِّلي التقنية، استيعابَ كيفية هيكلة التشريع الجزائري للتنفيذ في القطاعات الخاضعة للتنظيم.
بموجب قانون البريد والاتصالات الإلكترونية (مايو 2018)، تتمتع سلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية (ARPCE) باختصاص مشترك على المنافسة في سوق الاتصالات الإلكترونية. يمكن لـ ARPCE تصنيف المشغِّلين بوصفهم “مشغِّلين ذوي نفوذ” — ما يعادل مفهوم القوة السوقية الكبيرة في الاتحاد الأوروبي — وفرض التزامات غير متكافئة عليهم. هذا التنظيم المسبق هو الأداة القياسية لقطاع الاتصالات.
أما مجلس المنافسة فيعمل على أساس مختلف: تدخُّله لاحقٌ في معظمه — يُحقِّق في السلوكيات التي وقعت بالفعل ويُعاقب عليها، بما فيها إساءة استغلال مراكز الهيمنة (المادة 7 من المرسوم 03-03) والاتفاقيات المقيِّدة للمنافسة (المادة 6). في قطاع الاتصالات، يستطيع كلٌّ من ARPCE والمجلس التدخُّل في آنٍ واحد، كلٌّ بموجب أساسه القانوني. يؤكد التحليل الأكاديمي لقانون المنافسة الجزائري المنشور في مجلة القانون الأفريقي أن هذا الهيكل الثنائي مقصود لا عرضي — صمَّمه المشرِّع ليجعل الهيئتين مُتكاملتين.
لمشغِّلي الهاتف المحمول الثلاثة — Mobilis وDjezzy وOoredoo — الذين حصلوا على رخص 5G بتكلفة إجمالية بلغت 63.9 مليار دينار جزائري (492 مليون دولار)، تبرز هذه البنية المزدوجة بشكل مباشر. ترصد ARPCE التزامات التغطية وجودة الخدمة. لكن إن أقدم أيُّ مشغِّل على ممارسات تجميعية أو عقود إقصائية أو استراتيجيات تسعير تضرُّ بالمنافسين أو تُقيِّد الوصول إلى السوق، فإن مجلس المنافسة بات خطراً تنفيذياً مستقلاً وذا مصداقية — لا مجرد تهديد نظري.
ما تعنيه مداهمات أكتوبر 2024
تتجاوز أهمية مداهمات أكتوبر 2024 حدود الجهات المحقَّق معها مباشرةً. المداهمات إجراءٌ تنفيذي يستوجب قدرات قانونية ولوجستية رفيعة. تستلزم تفويضاً قضائياً، ومحققين مدرَّبين على التعامل مع الأدلة الإلكترونية، وتنسيقاً في نقاط دخول متزامنة، وبروتوكولات لضبط السجلات بما تشمله من وثائق رقمية.
كون المجلس نفَّذ مداهماته لأول مرة في أكتوبر 2024 يكشف عدة أمور: أولاً، أن المجلس استثمر في بنية تحتية تشغيلية. ثانياً، أن لديه خطاً من القضايا الجارية — المداهمات تحدث حين تبلغ التحقيقات نقطةً يرى فيها المجلس أن الوثائق والسجلات الإلكترونية مُهدَّدة بالإتلاف. ثالثاً، لم يعد التنفيذ محايداً تجاه أي قطاع — بما فيها الأسواق الرقمية ومنصات التجارة الإلكترونية وتوزيع خدمات الاتصالات.
إعلان
إطار الامتثال الثلاثي للمشغِّلين الرقميين
على شركات التقنية العاملة في الجزائر أن تُرسي استجابةً امتثاليةً منظَّمة للإحياء المؤسسي لمجلس المنافسة. يُعالج الإطار التالي أكثر ثلاثة مجالات حساسيةً من الناحية المخاطر.
1. أجرِ تقييماً للموقف السوقي قبل أن يفعل المجلس ذلك
الالتزام الأول هو فهم موقعك السوقي وفق قانون المنافسة الجزائري. امتلاك الموقع المهيمن ليس محظوراً؛ الممارسات المسيئة من هذا الموقع هي ما يُحظر. تحظر المادة 7 من المرسوم 03-03 التصرفات التي تصدر عن المؤسسات ذات المراكز المهيمنة وتُقيِّد المنافسة أو تُشوِّهها، بما فيها التسعير الجائر والرفض التعامل مع المنافسين والتجميع والعقود الإقصائية.
قبل أي تواصل تنفيذي، على المشغِّلين إجراء تقييم داخلي يجيب على ثلاثة أسئلة: هل تمتلك الشركة موقعاً مهيمناً في أي سوق جزائرية (تُحدَّد عموماً بحصة سوقية تتجاوز 40%، وإن لم يُحدَّد عتبة قانونية رسمية)؟ هل تُشكِّل أيٌّ من الممارسات التجارية الحالية — التسعير، أو حصرية التوزيع، أو سياسات الوصول إلى واجهة برمجة التطبيقات (API)، أو شروط الإدراج على المنصة — إساءةً لذلك الموقع بموجب القانون الجزائري؟ هل ثمة اتفاقيات توزيع أو شراكة سارية يمكن أن تُشكِّل اتفاقيات مقيِّدة للمنافسة بموجب المادة 6؟
ينبغي تحديث هذا التقييم سنوياً. يعني وصول أعضاء جدد إلى المجلس في فبراير 2025 احتمالَ تطبيقهم اجتهادات تفسيرية مختلفة عن أسلافهم وإن ظلَّت النصوص القانونية ذاتها.
2. أعِدَّ إجراءات حفظ الأدلة الإلكترونية والوثائق
تستهدف المداهمات بصورة متزايدة السجلات الرقمية: أرشيفات البريد الإلكتروني، ومنصات المراسلة الداخلية، ووثائق خوارزميات التسعير، ومحاضر مجلس الإدارة، وعروض استراتيجية الأعمال. الشركات التي لم تواجه مداهمة من قبل تُقلِّل من الأثر الذي يمكن أن تحدثه سلسلة بريد إلكتروني واحدة على مسار تحقيق.
على الشركات الجزائرية وفروع المجموعات الدولية في الجزائر تطبيق سياسات لاحتجاز الوثائق قابلة للدفاع قانونياً من منظورَي الامتثال المؤسسي (المحاسبة وحوكمة الشركات) وتحقيقات المنافسة (تجنُّب إتلاف وثائق تُثبت وجود مبررات مشروعة للسلوك المُراجَع). لا تُطبِّق سياسات حذف وثائق عشوائية حين يبدو احتمال تحقيق تنظيمي وارداً؛ يُشكِّل عرقلة التحقيق الرسمي — بما فيها إتلاف الأدلة بعد انطلاق الاستفسار — ظرفاً مُشدِّداً يرفع العقوبات بموجب القانون الجزائري.
3. راجع الاتفاقيات مع المنافسين لكشف مخاطر الكارتل
تحظر المادة 6 من المرسوم 03-03 الاتفاقيات والممارسات المنسَّقة التي يكون موضوعها أو أثرها تقييد المنافسة أو تشويهها. اتحادات الصناعة، وهيئات المعايير التقنية، وترتيبات الشراء المشترك، واتفاقيات تقاسم الإيرادات مع المنافسين — كلها تستوجب المراجعة بموجب هذا المعيار.
في النظام البيئي الرقمي، يشمل ذلك: اتفاقيات التشغيل البيني بين مشغِّلي المنصات، وترتيبات تبادل البيانات بين الشركات التقنية المالية والبنوك، وصفقات التسويق المشترك المتضمِّنة لتنسيق التسعير، والمواقف التي تحمل عناصر اقتسام السوق. يركِّز المعيار بموجب قانون المنافسة الجزائري على الموضوع أو الأثر للترتيب — فاتفاقية تقنية تبدو حميدة قد تنتهك المادة 6 إن كان أثرها العملي تخفيف الضغط التنافسي.
السياق الإقليمي: تسريع التنفيذ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
لا يتمُّ إحياء مجلس المنافسة الجزائري في معزل عن الإطار الإقليمي. عبر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شهدت سلطات المنافسة تعزيزاً وإعادة هيكلة منذ 2022. أصدر مجلس المنافسة في المملكة العربية السعودية قرارات تتعلق بكبرى منصات التقنية، فيما تدرس سلطات الإمارات تركُّز الأسواق الرقمية في قطاعَي التقنية المالية واللوجستيات.
الاتجاه الدولي متسق: السلطات التي كانت تعتبر الأسواق الرقمية ذاتية التصحيح باتت تُطبِّق أُطر المنافسة التقليدية على سلوك المنصات. يُعدُّ مجلس المنافسة الجزائري جزءاً من هذا النمط الإقليمي. وللمشغِّلين الجزائريين، تحمل السوابق القانونية الدولية — لا سيما قانون القضايا الأوروبية المتعلقة بهيمنة المنصات — دلالةً متزايدة: الغرامات المفروضة على Google وApple وMeta في 2025 هي مراجع قانونية سيستلهم منها المحققون الجزائريون، حتى وإن لم تكن الجزائر ملزمة بالقرارات الأوروبية.
ما الذي يأتي بعد ذلك
ستُحدِّد الدورة التنفيذية الأولى لمجلس المنافسة طابعه المؤسسي للعقد المقبل. ثلاثة مؤشرات ينبغي رصدها في 2026 و2027: هل سيُصدر المجلس إجراءات تحقيق رسمية تُوضِّح أولوياته التنفيذية في الأسواق الرقمية؟ هل سيُصدر آراءً رسمية حول الأثر التنافسي لمنح رخص 5G؟ وهل سيتفاعل علناً مع ARPCE في القضايا التي يمكن لكلتا السلطتين المطالبة باختصاصها؟
المشغِّلون الذين ينتظرون صدور أول قضية بارزة ضد شركة رقمية قبل مراجعة ممارساتهم يتحمَّلون مخاطرةً جوهرية. مداهمات أكتوبر 2024 وإعادة تشكيل المجلس في فبراير 2025 هما تحذير بأن التنفيذ صار واقعاً. الاستجابة الحكيمة هيكلياً هي الاستثمار في الامتثال الآن — لا بعد وصول خطاب التحقيق الأول.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين تنفيذ ARPCE وتنفيذ مجلس المنافسة لمشغِّلي الاتصالات؟
تمارس ARPCE التنظيم المسبق — إذ تضع قواعد مُقدَّماً من خلال شروط الترخيص والتزامات الطيف وتصنيفات “المشغِّل ذي النفوذ”. يعمل مجلس المنافسة بصورة لاحقة، ويُحقِّق في السلوكيات التي وقعت في إطار قانون المنافسة العام. يمكن لكليهما التطبيق في آنٍ واحد: قد يواجه مشغِّل إجراءً تنظيمياً من ARPCE بسبب انتهاك ترخيص فيما يخضع في الوقت ذاته لتحقيق من المجلس بسبب إساءة استغلال الموقع المهيمن جراء السلوك التجاري ذاته. البنية الثنائية مقصودة بموجب القانون الجزائري وتستوجب الامتثال لكلا الإطارَين بصورة مستقلة.
ما الذي دفع مجلس المنافسة الجزائري إلى إجراء أولى مداهماته في أكتوبر 2024؟
لم يُفصح المجلس علناً عن الجهات المستهدفة في مداهمات أكتوبر 2024. تحدث المداهمات عادةً حين تعتقد السلطة أن الأدلة الوثائقية الحيوية قد تتعرَّض للإتلاف أو التعديل. قرار المجلس باستخدام هذه الأداة لأول مرة يُشير إلى أنه كان يبني قضايا قبل عام 2024، وأنه استثمر بما يكفي في البنية التشغيلية — إجراءات التفويض القانوني والمحققين المدرَّبين وبروتوكولات الأدلة الرقمية — لتنفيذ عمليات تصمد أمام الطعن القضائي.
كيف يُعرِّف القانون الجزائري للمنافسة “الموقع المهيمن” للمنصات الرقمية؟
لا يُحدِّد المرسوم 03-03 عتبةً ثابتة لحصة السوق لتحديد الموقع المهيمن. في الممارسة، يدرس تحليل المنافسة الجزائري عادةً ما إذا كان المشغِّل يمتلك قوةً سوقيةً كافية لكي يتصرف باستقلالية عن الضغط التنافسي — وهو تقييم وظيفي مماثل للمنهج الأوروبي. تحديد السوق المعنية هو الخطوة الأولى الحاسمة: منصة بحصة 60% في سوق طلب سيارات الأجرة بالعاصمة قد تمتلك موقعاً مهيمناً أو لا، تبعاً لكيفية تحديد السوق الجغرافية والسوق المعنية بالمنتج. المشغِّلون في الأسواق الرقمية التي يواجه المنافسون البدلاء فيها حواجز دخول مرتفعة أكثر عرضةً لمخاطر الموقع المهيمن، حتى بحصص سوقية دون 50%.
—
المصادر والقراءات الإضافية
- الجزائر: مجلس المنافسة — Global Competition Review
- التفاعل بين مجلس المنافسة وسلطة ضبط الاتصالات في القانون الجزائري — مجلة القانون الأفريقي، Cambridge Core
- تطورات حديثة في قانون المنافسة في أفريقيا — Gide
- تقارير مناخ الاستثمار 2025: الجزائر — وزارة الخارجية الأمريكية
- كيف تتصاعد قوانين المنافسة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا — Kluwer Competition Law Blog














