التوقعات المتفائلة

افتتح Goldman Sachs عام 2026 بتوقعات لفتت الأنظار في مختلف أنحاء القطاع المالي: ستصل عائدات الطروحات العامة الأولية (IPO) في الولايات المتحدة إلى 160 مليار دولار خلال العام، وهو رقم يمثل أقوى سوق للطروحات العامة منذ الطفرة التي شهدتها فترة الجائحة في 2021. استندت هذه التوقعات إلى عدة عوامل داعمة — اقتصاد مرن، أسعار فائدة مستقرة، أداء قوي للأسواق العامة، وتراكم شركات خاصة ناضجة مستعدة نظرياً لدخول الأسواق المالية العامة.

قدم سوق الطروحات العامة في 2025 بعض الأسباب للتفاؤل. أُدرجت ثلاث وعشرون شركة برسملة سوقية تجاوزت المليار دولار، وهو تحسن ملموس مقارنة بالتوقف شبه الكامل في 2022-2023. حقق العديد منها أداءً جيداً في التداول اللاحق، مما يشير إلى أن مستثمري الأسواق العامة استعادوا شهيتهم للشركات المدرجة حديثاً بعد سنوات من التشكك في أعقاب فقاعة SPAC.

لكن البيانات الأولية لعام 2026 تروي قصة مختلفة. حتى منتصف فبراير، لم تودع سوى 24 شركة بيانات تسجيل طرح عام أولي لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) — وهو انخفاض مقارنة بالفترة نفسها في 2025. من بين هذه الشركات، لم تحدد سوى 9 شركات أسعار عروضها وبدأت التداول. حجم الدولارات، وإن لم يكن ضئيلاً، تركز في حفنة من الصفقات وجاء أقل بكثير من الوتيرة المطلوبة لبلوغ 160 مليار دولار بنهاية العام.

المفارقة صارخة: أرقى بنك استثماري في Wall Street يتوقع عاماً استثنائياً، بينما خط الأنابيب الفعلي للشركات التي تستعد لدخول البورصة أرق مما كان متوقعاً. يتطلب فهم هذا الانفصال دراسة ما تغير في حسابات الطرح العام الأولي لكل من الشركات والمستثمرين.

عمالقة التكنولوجيا الغائبون

الغياب الأبرز عن خط أنابيب الطروحات العامة في 2026 هو قطاع التكنولوجيا. القطاع الذي هيمن على أسواق الطروحات العامة بين 2019 و2021 — منتجاً طروحات بارزة من Snowflake وCoinbase وRivian وعشرات شركات SaaS — غائب تقريباً بالكامل عن الإيداعات الجديدة.

الأسماء المكتوبة على اللوحة البيضاء لكل مصرفي تظل عنيدة في خصوصيتها. OpenAI، المقيّمة بأكثر من 100 مليار دولار في آخر جولة تمويل خاصة، لم تُظهر أي مؤشر على الإيداع. Databricks، المقيّمة بـ 62 مليار دولار، تواصل جمع رأس المال الخاص. Plaid وRevolut وDiscord وCanva وStripe — كل منها مقيّمة بـ 10 مليارات دولار أو أكثر — لم تودع ملفات ولم تلمّح إلى نية وشيكة للقيام بذلك.

غياب شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) لافت بشكل خاص. شكّلت هذه الشركات العمود الفقري لسوق الطروحات العامة بين 2019 و2021، حيث حققت شركات مثل Datadog وCrowdStrike وSnowflake ظهوراً مذهلاً في الأسواق العامة. في مطلع 2026، لم تودع شركة SaaS كبرى واحدة ملف طرح عام أولي. يبدو أن الفئة التي حددت ملامح دورة الطروحات السابقة تختار الجلوس على الهامش في الدورة الحالية بالكامل.

عدة عوامل تفسر غياب قطاع التكنولوجيا. أولاً، تحسنت السيولة في الأسواق الخاصة بشكل كبير. نضجت الأسواق الثانوية (Secondary Markets) — منصات يمكن للموظفين والمستثمرين الأوائل بيع أسهم الشركات الخاصة عبرها — إلى درجة تراجع فيها الدافع للحصول على السيولة من خلال الطرح العام. يمكن لموظفي الشركة بيع أسهمهم عبر معاملات ثانوية دون أن تتحمل الشركة تكاليف ورقابة وأعباء تشغيلية مرتبطة بالوضع العام.

ثانياً، أصبحت اقتصاديات جمع التمويل الخاص أكثر ملاءمة مقارنة بالأسواق العامة. الشركة التي تستطيع جمع من مليار إلى 5 مليارات دولار من رأس المال الخاص بتقييم من اختيارها، دون ضغط الأرباح الفصلية ومتطلبات الإفصاح العام، ليس لديها حافز كبير لإخضاع نفسها لعملية الطرح العام. قدرة OpenAI على جمع 6.6 مليار دولار من مستثمرين خاصين بتقييم 157 مليار دولار توضح النقطة: لم يعد السوق العام المصدر الوحيد لرأس المال واسع النطاق للشركات التكنولوجية الناضجة.

الملف الجديد للطروحات العامة: الربحية فوق النمو

تشترك الشركات التي تدخل البورصة في 2026 في ملف يختلف بشكل ملحوظ عن شركات النمو بأي ثمن التي هيمنت على نافذة 2019-2021. المرشح الجديد للطرح العام مربح أو قريب من الربحية، ينمو بوتيرة معتدلة، ويتموضع في قطاع ذي تدفقات إيرادات واضحة وقابلة للتنبؤ.

يعكس هذا التحول تغييراً جوهرياً في تفضيلات مستثمري الأسواق العامة. أعادت تصحيحات ما بعد 2021 — التي شهدت خسارة شركات تكنولوجية مدرجة حديثاً ما بين 60 و90% من قيمتها — معايرة ما يرغب مستثمرو الأسواق العامة في دفعه مقابل النمو بشكل دائم. الشركات التي كانت تُتداول بمضاعفات 20-40 ضعف الإيرادات، وهو أمر شائع في 2021، تُتداول الآن بمضاعفات 6-12 ضعفاً. الرسالة الضمنية واضحة: يريد مستثمرو الأسواق العامة شركات مربحة، لا قصص نمو.

الطروحات العامة لعام 2025 التي حققت أفضل أداء بعد الإدراج كانت بشكل غير متناسب مربحة أو إيجابية الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء (EBITDA) وقت الإدراج. الشركات التي دخلت البورصة بتدفقات نقدية سلبية وسرديات معتمدة على النمو كان أداؤها عموماً أضعف. تعلم مستثمرو الأسواق العامة من دفعة طروحات 2021، التي تداول كثير منها دون أسعار الطرح لسنوات، ويطبقون الآن معايير تقييم أكثر صرامة.

بالنسبة لشركات التكنولوجيا المدعومة برأس المال المغامر، يخلق هذا توتراً. معظم هذه الشركات تُحسّن من أجل النمو، تستثمر بقوة في المبيعات والتسويق وتطوير المنتجات على حساب الربحية قصيرة المدى. كانت الفرضية الضمنية — التي يتشاركها المؤسسون ومستثمرو رأس المال المغامر — أن النمو سيُكافأ في الأسواق العامة. هذه الفرضية لم تعد صالحة. النتيجة هي تراكم شركات مدعومة برأس المال المغامر أكبر وأنضج من أن تبقى في الأسواق الخاصة، لكنها ليست مربحة بما يكفي لمعايير مستثمري الأسواق العامة الحالية.

إعلان

طنجرة الضغط في رأس المال المغامر

يخلق تعثر خط أنابيب الطروحات العامة ضغطاً كبيراً داخل منظومة رأس المال المغامر (Venture Capital). لصناديق رأس المال المغامر أعمار محددة — عادة من 10 إلى 12 سنة — يجب بعدها إعادة رأس المال إلى الشركاء المحدودين (Limited Partners). الصناديق التي استثمرت في شركات من دفعات 2017-2019 تقترب من النقطة التي تحتاج فيها إلى عمليات خروج لإثبات عوائدها وجمع صناديق لاحقة.

الحسابات لا ترحم. جمعت صناديق رأس المال المغامر ما يقارب 350 مليار دولار عالمياً بين 2020 و2022، ونشرت ذلك الرأسمال في شركات بتقييمات مرتفعة بشكل متزايد. تحتاج هذه الشركات الآن إلى الخروج — عبر طروحات عامة أو استحواذات أو مبيعات ثانوية — بتقييمات تبرر أسعار الدخول. مع تعثر الطروحات العامة وتقييد عمليات الاندماج والاستحواذ (M&A) بالرقابة على مكافحة الاحتكار، يتضيق عنق زجاجة الخروج.

توفر معاملات السوق الثانوي تخفيفاً جزئياً لكنها ليست بديلاً عن الطروحات العامة. يقبل صندوق رأس المال المغامر الذي يبيع أسهماً في السوق الثانوي عادة بخصم يتراوح بين 20 و40% من آخر تقييم خاص للشركة. بالنسبة لصندوق استثمر عند ذلك التقييم (أو أعلى، في جولة لاحقة)، قد تمثل البيع في السوق الثانوي خسارة. تعمل الأسواق الثانوية جيداً للمستثمرين الأوائل الذين يملكون مكاسب ورقية كبيرة؛ لكنها تعمل بشكل سيئ للمستثمرين في المراحل المتأخرة الذين يحتاجون التقييم الكامل لتبرير سعر دخولهم.

الضغط الأشد يقع على المستثمرين “السياح” — صناديق التحوط (Hedge Funds) وصناديق الاستثمار المشتركة وصناديق الثروة السيادية التي شاركت في جولات تمويل متأخرة خلال 2020-2021 بتقييمات الذروة. دخل هؤلاء المستثمرون السوق الخاص متوقعين مساراً سريعاً نحو السيولة عبر الطروحات العامة. مع بقاء نافذة الطروحات العامة أضيق مما كان متوقعاً، يواجهون احتمال الاحتفاظ بمراكز غير سائلة لفترة أطول مما توقعته تفويضاتهم الاستثمارية.

ما الذي قد يكسر السد

رغم البداية الحذرة لعام 2026، يمكن لعدة محفزات أن تسرّع خط أنابيب الطروحات العامة في النصف الثاني من العام، مما قد يجعل توقعات Goldman في المتناول.

المحفز الأقوى سيكون طرحاً عاماً ناجحاً لإحدى الشركات الخاصة الرئيسية. إذا قامت OpenAI أو Databricks أو Stripe بالإيداع وتسعير عرض ناجح، فسيؤكد ذلك صلاحية سوق الطروحات العامة لشركات التكنولوجيا ومن المرجح أن يطلق موجة من الإيداعات المتتالية. حُفّز ازدهار الطروحات العامة في 2019 بحفنة من العروض البارزة — Uber وLyft وZoom وSlack — التي أثبتت شهية الأسواق العامة لشركات التكنولوجيا. محفز مماثل قد يفتح خط الأنابيب الحالي.

البيئة الاقتصادية الكلية مهمة أيضاً. استمرار الاستقرار الاقتصادي وأسعار الفائدة المعتدلة والأداء القوي لأسواق الأسهم يخلق ظروفاً مواتية للطروحات العامة. أي تدهور — ركود اقتصادي أو ارتفاع حاد في أسعار الفائدة أو تصحيح كبير في السوق — سيؤخر الإيداعات أكثر. الخلفية الاقتصادية اعتباراً من فبراير 2026 داعمة بشكل عام، لكن حالة عدم اليقين التي ميزت البيئة الاقتصادية بعد COVID تجعل التنبؤ غير موثوق.

قد تلعب التغييرات التنظيمية دوراً أيضاً. اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) متطلبات إفصاح مبسطة للطروحات العامة من شأنها تقليل وقت وتكلفة عملية الإدراج. إذا اعتُمدت، قد تخفض هذه التغييرات عتبة الدخول للشركات التي تفكر في الإدراج العام، خاصة الشركات الصغيرة التي تجد نظام الإفصاح الحالي مرهقاً بشكل غير متناسب.

أخيراً، قد يفرض ضغط صناديق رأس المال المغامر نشاطاً. مع تقلص الجداول الزمنية للصناديق، قد يدفع الشركاء العامون (General Partners) شركات محافظهم نحو الطروحات العامة حتى لو لم تكن ظروف السوق مثالية. البديل — تخفيض قيمة الاستثمارات وإعادة رأسمال منخفض للشركاء المحدودين — أسوأ لسمعة الصندوق وقدرته على جمع صناديق مستقبلية. قد ينتج هذا العرض المدفوع بالضغط طروحات تعطي الأولوية لسرعة الخروج على التوقيت الأمثل للسوق، مما قد يؤدي إلى تسعير وأداء ما بعد الإدراج أقل من التوقعات.

التحول الهيكلي في الوصول إلى الأسواق العامة

بعيداً عن العوامل الدورية التي تكبح نشاط الطروحات العامة في مطلع 2026، قد يكون هناك تحول هيكلي جارٍ في كيفية وصول الشركات إلى الأسواق العامة. يواجه عملية الطرح العام التقليدية — عرض تفاوضي تكتتب فيه بنوك استثمارية، يُسعّر خلال عملية بناء دفتر أوامر ليوم واحد، ويُدرج في بورصة تقليدية — منافسة من آليات إدراج بديلة.

تتيح الإدراجات المباشرة (Direct Listings)، التي بدأتها Spotify وPalantir، للشركات إدراج أسهمها في البورصات العامة دون عرض مكتتب أو فترة حظر بيع الأسهم. رغم أن الإدراجات المباشرة لم تصبح آلية الإدراج المهيمنة، فقد أرست سابقة مفادها أن عملية الطرح العام التقليدية ليست المسار الوحيد نحو الأسواق العامة.

الاندماج مع شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص (SPAC)، رغم تراجعه عن ذروة 2021، يستمر في توفير مسار بديل للشركات التي تجد عملية الطرح العام التقليدية غير جذابة. انتقل سوق SPAC من جنون المضاربة في 2020-2021 إلى سوق أكثر انتقائية حيث يستهدف رعاة راسخون شركات محددة.

والنمو المستمر لسيولة الأسواق الخاصة — عبر المنصات الثانوية وعروض الشراء المباشرة (Tender Offers) وبرامج السيولة المهيكلة — يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل تحتاج شركة تكنولوجيا فعلاً إلى الإدراج في البورصة؟ إذا كان بإمكان الموظفين تحقيق السيولة، والمستثمرين تقييم مراكزهم بسعر السوق، والشركة جمع رأس المال في الأسواق الخاصة، فإن الدوافع التقليدية للطرح العام تضعف بشكل كبير.

قد تثبت توقعات Goldman البالغة 160 مليار دولار صحتها في النهاية — أو تقترب منها — لكن تركيبة هذا الرقم قد تبدو مختلفة تماماً عما توقعه المحللون. بدلاً من طفرة طروحات عامة تقودها التكنولوجيا على غرار 2021، قد يهيمن على سوق 2026 شركات مربحة في الرعاية الصحية والصناعة والخدمات المالية، بينما تختار أكبر أسماء التكنولوجيا البقاء خاصة لعام إضافي — أو أكثر.

إعلان

🧭 رادار القرار (المنظور الجزائري)

البُعد التقييم
الصلة بالجزائر منخفضة — لا تمتلك الجزائر شركات مدعومة برأس مال مغامر تقترب من الجاهزية للطرح العام، وبورصة الجزائر تفتقر لتمثيل تكنولوجي يُذكر؛ لكن الدروس الهيكلية حول آليات الخروج ذات صلة لبناة المنظومة
جاهزية البنية التحتية؟ لا — تفتقر أسواق رأس المال الجزائرية للعمق والسيولة وقاعدة المستثمرين المؤسسيين والإطار التنظيمي للطروحات العامة التكنولوجية؛ إصلاحات COSOB لم تتناول إدراج شركات التكنولوجيا
توفر المهارات؟ لا — خبرات الصيرفة الاستثمارية والاستشارات في الطروحات العامة وتحليل الأسواق العامة لشركات التكنولوجيا وإدارة صناديق رأس المال المغامر غائبة أساساً في الجزائر
الجدول الزمني للعمل مراقبة فقط — مفارقة الطروحات العامة سياق مهم لصانعي السياسات الجزائريين الذين يصممون آليات خروج صندوق الجزائر للشركات الناشئة، لكن التطبيق المباشر يبعد سنوات
أصحاب المصلحة الرئيسيون COSOB (هيئة تنظيم الأوراق المالية)، صندوق الجزائر للشركات الناشئة، وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة، المستثمرون المغامرون الجزائريون، المؤسسون الذين يخططون لاستراتيجيات خروج طويلة المدى
نوع القرار تعليمي — فهم لماذا تتعطل أسواق الطروحات العامة العالمية رغم التوقعات المتفائلة يساعد بناة المنظومة الجزائريين على تصميم مسارات خروج واقعية لا تعتمد حصرياً على الإدراج العام

الخلاصة: مفارقة الطروحات العامة العالمية — حيث تقلل سيولة الأسواق الخاصة من الحاجة الملحة للطرح العام — قصة تحذيرية لصانعي السياسات الجزائريين الذين يبنون منظومة الشركات الناشئة. ينبغي ألا تفترض البنية التحتية لخروج الشركات الناشئة الجزائرية أن الطروحات العامة هي آلية السيولة الرئيسية. بدلاً من ذلك، تطوير أُطر الاندماج والاستحواذ ومنصات السوق الثانوية وممرات الاستحواذ الإقليمية (أسواق الخليج وأوروبا وأفريقيا) سيوفر مسارات أكثر واقعية لتحقيق العوائد للمستثمرين في المراحل المبكرة بالجزائر.

المصادر والقراءات الإضافية