في مساء الثاني من أكتوبر 2023، اصطدمت سيارة أجرة روبوتية تابعة لشركة Cruise بمشاة في سان فرانسيسكو كانت قد دُهست للتو بسيارة أخرى. ثم أوقفت المركبة ذاتية القيادة محركها جانباً — لكنها سحبت الضحية قرابة ستة أمتار قبل أن تتوقف تماماً. وقد التقطت كاميرات المراقبة هذه الحادثة، التي أشعلت فتيل تحقيق رسمي من قِبل إدارة المركبات الآلية في كاليفورنيا، وتحقيق جنائي، وفي غضون أسابيع علّق مسؤولو الولاية ترخيص تشغيل Cruise. ما لبثت شركة General Motors أن سحبت أسطولها بأكمله من سيارات الأجرة الروبوتية، متكبّدةً خسائر تجاوزت 900 مليون دولار في وحدة Cruise. وسط كل البيانات الرسمية والوثائق التنظيمية، برز سؤال واحد لا مفر منه: حين تتخذ آلة قراراً بالتحرك، فمن المسؤول عمّا تفعله؟

لا توجد إجابة قانونية واضحة لهذا السؤال في عام 2026. ومع تشغيل Waymo لمئات المركبات الخالية تماماً من السائقين في سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وفينيكس وأوستن، وقيام Tesla بنشر برنامج Full Self-Driving على أكثر من مليوني مركبة، وتوسع شركات صينية كـ Baidu Apollo وPony.ai على الصعيد الدولي، يتصاعد الضغط على المشرّعين وشركات التأمين والمحاكم بوتيرة تفوق وتيرة التقدم التكنولوجي ذاته.

سُلَّم SAE وفراغ المسؤولية القانونية

تحدد Society of Automotive Engineers ستة مستويات لأتمتة القيادة، تبدأ من المستوى صفر (لا أتمتة) وصولاً إلى المستوى الخامس (استقلالية تامة في جميع الظروف). بُنيت الأطر القانونية المنظِّمة للمسؤولية على افتراض وجود سائق بشري خلف المقود، يقظ ومتحكم في السيارة. غير أن هذا الافتراض يبدأ في التداعي بمجرد تجاوز المستوى الثاني — حيث يتولى النظام التوجيه والتسارع معاً، لكنه لا يزال يستلزم إشراف بشري مستمر.

في المستوى الثالث، يمكن للمركبة إدارة معظم مهام القيادة، لكن يمكنها طلب تدخل السائق البشري عند الحاجة. تقع Volvo EX90 وMercedes-Benz Drive Pilot — المعتمدتان للتشغيل المحدود عند المستوى الثالث في بعض الولايات الأمريكية وألمانيا — في هذه المنطقة القانونية الرمادية. وقد قبلت Mercedes صراحةً تحمّل المسؤولية بوصفها مصنّعة عن الحوادث التي تقع أثناء تفعيل Drive Pilot — وهي خطوة تاريخية تعترف فيها بأن الإنسان لم يعد صاحب القرار الأول.

أما مركبات المستوى الرابع، القادرة على العمل دون أي تدخل بشري ضمن منطقة جغرافية محددة مسبقاً (geofence)، فهي المنطقة الأكثر تعقيداً. تعمل Waymo عند المستوى الرابع، إذ لا يوجد مقود في مقصورة الركاب. فإذا دهست المركبة دراجاً، يصبح الحديث عن “خطأ السائق” شبه لامعنى فلسفياً — الإنسان لم يكن يقود؛ البرمجيات هي من كانت تقود.

حوادث حقيقية، نزاعات حقيقية

كثيراً ما يُستشهد بسجل سلامة Waymo دليلاً على أن تقنية المركبات ذاتية القيادة أكثر أماناً من القيادة البشرية. ففي دراسة مُحكَّمة نُشرت في مجلة Nature عام 2024، شملت تحليل 7.1 مليون ميل من القيادة ذاتية لدى Waymo، تبيّن وجود انخفاض ذي دلالة إحصائية في الحوادث المُسببة لإصابات مقارنةً بالقيادة البشرية. بيد أن مركبات Waymo لم تكن خالية تماماً من الحوادث؛ فقد وُثّقت تصادمات بطيئة مع دراجين، وحادثة اصطدام من الخلف من قِبل سائق بشري بينما كانت المركبة Waymo متوقفة، فضلاً عن تفاعلات متعددة مع مركبات الطوارئ أسفرت عن اضطرابات مرورية.

وضع Tesla Full Self-Driving مختلف جوهرياً؛ إذ يُصنَّف FSD كنظام من المستوى الثاني، مما يعني أن السائق ملزم بالانتباه ويتحمل المسؤولية القانونية عن سلوك المركبة. ومع ذلك، دأب التسويق حول FSD على الإيحاء بقدرات تتجاوز ما تقدمه التقنية فعلياً. وقد فتحت National Highway Traffic Safety Administration تحقيقات متعددة في حوادث مرتبطة بـ FSD، شملت استدعاء عام 2023 لأكثر من 360,000 مركبة إثر ثبوت أن برنامج FSD يسبب سلوكاً غير آمن عند التقاطعات. التمييز الجوهري هنا: في حوادث Tesla، تقع المسؤولية القانونية عادةً على عاتق السائق البشري بموجب القانون النافذ، حتى حين كان FSD مفعّلاً. غير أن محامي الدعاوى المدنية باتوا يطعنون في هذا الموقف أمام المحاكم، مستندين إلى أن عيوب البرمجيات تُشكّل مسؤولية المنتج بصرف النظر عما يذكره دليل المالك.

أسفر حادث Cruise في أكتوبر 2023 عن تسوية سرية مع الضحية بمبلغ غير معلن، كما دفع ولاية كاليفورنيا إلى تمرير القانون SB 915 عام 2024، الذي يلزم شركات المركبات ذاتية القيادة بمشاركة بيانات الحوادث مع الجهات التنظيمية في غضون 72 ساعة.

الإطار الأمريكي: فيدرالية متشظية

لا تمتلك الولايات المتحدة حتى مطلع 2026 أي قانون فيدرالي لمسؤولية المركبات ذاتية القيادة. يرسي الخطة الشاملة لـ NHTSA للمركبات الآلية، المحدَّثة عام 2023، متطلبات إبلاغ وإرشادات طوعية لتقييم السلامة، لكنه لا يُحسم السؤال الجوهري للمسؤولية، الذي تُرك بدلاً من ذلك للولايات المنفردة، مما أفرز فسيفساء تنظيمية تجد فيها الشركات وشركات التأمين صعوبة بالغة في التعامل معها.

تشترط كاليفورنيا على مشغّلي المركبات ذاتية القيادة الاحتفاظ بتأمين بقيمة 5 ملايين دولار لكل مركبة. أما أريزونا، التي كانت تاريخياً الولاية الأكثر تساهلاً في هذا الملف، فتجيز الاختبار دون سائق مع حد أدنى من متطلبات الإبلاغ. في المقابل، أصدرت تكساس تشريعاً عام 2023 ينص صراحةً على أن مشغّلي المركبات ذاتية القيادة يتحملون المسؤولية حين لا يوجد سائق بشري. وتمتلك نيفادا أقدم إطار تنظيمي لهذه المركبات في البلاد، يعود إلى 2011، وقد نقلت تدريجياً المسؤولية نحو المصنّعين بالتوازي مع ارتفاع مستويات الاستقلالية.

قُدِّمت مشاريع قوانين فيدرالية عدة — إذ أقر مجلس النواب SELF DRIVE Act عام 2017 لكنه لم يصل قط إلى التصويت في مجلس الشيوخ. وفي عام 2025، قُدّم اقتراح ثنائي الحزبين لإنشاء إطار فيدرالي موحّد لمسؤولية المركبات ذاتية القيادة، بدعم من تحالف شركات السيارات وشركات التكنولوجيا الساعية إلى توحيد قانوني — ولا يزال الاقتراح في مرحلة اللجان.

أوروبا تختار مساراً مختلفاً

سلكت الاتحاد الأوروبي مساراً أكثر تأنياً، وربما أكثر تماسكاً. فقد حدّثت توجيهية الاتحاد بشأن المسؤولية عن المنتجات، المعتمَدة في أواخر 2024، نطاقها ليشمل صراحةً الأنظمة المدارة بالذكاء الاصطناعي — بما فيها برمجيات المركبات ذاتية القيادة. ويمكن تحميل المصنّعين المسؤولية الصارمة عن الأضرار التي تسببها الأنظمة الذكية المعيبة، مع قلب جزئي لعبء الإثبات: لم يعد المدّعون بحاجة إلى إثبات آلية الخلل بدقة، بل يكفي إثبات وقوع الضرر وكون المنتج معيباً.

ذهبت ألمانيا أبعد من ذلك عام 2023، إذ اشترطت “شخصاً للإشراف التقني” إلزامياً لمركبات المستوى الرابع — مشغّلاً عن بُعد يراقب ويمكنه التدخل — وهو ما يُفرز نموذج مسؤولية هجينة تتوزع بين المشغّل والمصنّع.

أما المملكة المتحدة، فقد أطلق قانون المركبات الآلية Automated Vehicles Act 2024 تسمية خاصة لـ “Authorised Self-Driving Entity” (ASDE). وحين يكون نظام معتمد بهذه الصفة هو السائق، تقع المسؤولية على عاتق المصنّع لا المالك — حلٌّ واضح وأنيق يُزيل الغموض أمام المؤمّنين والمحاكم على حدٍّ سواء، وقد أشادت به علناً شركات عدة في قطاع المركبات ذاتية القيادة بوصفه نموذجاً يُحتذى.

إعلان

الصين: تنظيم متساهل كسياسة صناعية

تنتهج الصين فلسفة مغايرة. خفّف كل من وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات ووزارة الأمن العام تدريجياً متطلبات اختبار مركبات المستويين الرابع والخامس، فيما خصّصت بكين وشنغهاي وغوانغجو وشينجن مناطق حضرية واسعة كمناطق اختبار مفتوحة للمركبات ذاتية القيادة. تُحمّل اللوائح الصينية الصادرة عام 2022 المصنّعين المسؤولية عن إخفاقات نمط القيادة الذاتية، غير أنها وضعت حدوداً تأمينية منخفضة نسبياً، وتُفضّل العقوبات الإدارية على التقاضي المدني آليةً للإنفاذ.

هذا النهج مصمَّم صراحةً لتسريع نشر المركبات ذاتية القيادة محلياً. نفّذت خدمة سيارات الأجرة Apollo Go التابعة لـ Baidu أكثر من مليون رحلة دون سائق أمان عام 2023، فيما حصلت Pony.ai على أول تصريح لها بتحصيل أجور تجارية مقابل رحلات بمركبات خالية تماماً من السائقين في غوانغجو في نوفمبر 2023. هذه البيئة التنظيمية تُيسّر توسعاً في الانتشار يعجز عنه السوق الغربي المثقل بمنظوماته القانونية التنازعية.

التأمين: صناعة تعيد كتابة قواعدها

ربما تكون صناعة التأمين الفاعل الأكثر تأثيراً من الناحية العملية في نقاش مسؤولية المركبات ذاتية القيادة. يمثّل تأمين السيارات الشخصية سوقاً سنوياً بقيمة 300 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها، قائم في جوهره على تقييم مخاطر السلوك البشري للسائق. ومع تصاعد الاستقلالية، ينتقل الخطر من سلوك السائق إلى مسؤولية المنتج — وتُعيد شركات التأمين تموضعها وفق ذلك.

أطلقت AXA منتجات تأمينية تجريبية للأساطيل المخصصة للمركبات ذاتية القيادة في ألمانيا والمملكة المتحدة، حيث تُحدَّد الأقساط بناءً على إصدار البرنامج في نظام الاستقلالية لا على سجل السائق. ونشرت Allianz تقريراً عام 2024 يرى أنه بحلول 2035، قد تمثّل مطالبات مسؤولية المنتج 40 % من إجمالي مطالبات تأمين السيارات في الأسواق ذات النشر الواسع للمركبات ذاتية القيادة. وقد وضعت Swiss Re سيناريوهات ينهار فيها التأمين الشخصي على السيارات بنسبة 60 % خلال 15 عاماً مع انتقال المسؤولية نحو المصنّعين، الذين يتحصّنون منها بوثائق مسؤولية المنتج التجارية. وشرعت Lloyd’s of London في تقديم تغطية متخصصة تُسمى “مسؤولية الأنظمة الذاتية” للمصنّعين، تُغطّي قرارات الآلات البرمجية على نطاق واسع.

التداعية العملية: إذا كنت تمتلك مركبة من المستوى الرابع وتسببت في حادث خلال قيادتها الذاتية، فقد لا تُغطّيه وثيقتك الشخصية — ووثيقة مسؤولية المنتج الخاصة بالمصنّع هي التي ستسري.

مسألة المسؤولية الصارمة

أكثر النقاشات حدةً وأقلها حسماً في قانون المركبات ذاتية القيادة، هو ما إذا كان يتعيّن على مصنّعيها تحمّل مسؤولية صارمة — أي مسؤولية دون الحاجة لإثبات الإهمال — عن الحوادث التي تقع أثناء التشغيل الذاتي. والمسؤولية الصارمة معمول بها أصلاً في الأنشطة المحفوفة بالمخاطر الجوهرية، وفي معظم الولايات القضائية بالنسبة لعيوب التصنيع في المنتجات المادية.

يرى المؤيدون أن المسؤولية الصارمة هي الإطار الوحيد المنطقي للمستويين الرابع والخامس. فحين لا يوجد سائق بشري يمكن تقييم إهماله، يصبح السؤال بسيطاً: هل تسبّب المنتج في ضرر؟ إذا كانت الإجابة نعم، يدفع الصانع. يخلق هذا حوافز قوية للاستثمار في السلامة، ويُعفي ضحايا الحوادث من عبء إعادة بناء أشجار قرارات برمجية معقدة أمام المحاكم.

يعارض ذلك المصنّعون وجماعات الضغط التابعة لهم، بحجة أن المسؤولية الصارمة ستُعيق الابتكار وتجعل التأمين مُكلفاً بشكل مُحرِم، وتُعاقب الشركات على حوادث ناجمة عن عوامل خارج نطاق سيطرتها — كمشاة يقتحمون الطريق فجأة، أو ظروف مناخية قصوى، أو إخفاقات في البنية التحتية. ويدعون إلى اعتماد نموذج قائم على الإهمال بمعايير مُحدَّثة تأخذ بعين الاعتبار الطابع الاحتمالي والإحصائي لقرارات البرمجيات.

تميل التوجيهية الأوروبية المعدَّلة بشأن مسؤولية المنتجات نحو المسؤولية الصارمة عن العيوب البرمجية. أما الولايات المتحدة فخطاها أبطأ. وكيفية حسم هذه المسألة ستُحدد ما إذا كان الاقتصاد الكلي لنشر المركبات ذاتية القيادة قابلاً للاستمرار — ومن يدفع حين تُخطئ الآلات التي أوكلنا إليها قيادتنا.

إعلان

رادار القرار (المنظور الجزائري)

البُعد التقييم
الأهمية بالنسبة للجزائر متوسطة — لا تمتلك الجزائر أي تنظيم خاص بالمركبات ذاتية القيادة، لكن الأطر القانونية العالمية الجاري بناؤها الآن ستُشكّل مستقبل قوانين النقل ولوائح التأمين وقواعد استيراد التكنولوجيا
هل البنية التحتية جاهزة؟ لا — تتطلب تقنية V2X (الاتصال بين المركبة وبيئتها) تغطية 5G وبنية تحتية من الحساسات الطرقية غير متوفرة بعد على نطاق واسع في الجزائر، فضلاً عن قصور في حالة الطرق والتخطيط العمراني
هل الكفاءات متوفرة؟ جزئياً — الخبرة القانونية في الأنظمة الذاتية شبه معدومة، وكفاءات الهندسة في هذا المجال نادرة محلياً، وإن كانت الكفاءات المهاجرة والمهندسون العائدون قادرين على سد هذه الفجوة
الأفق الزمني للعمل مراقبة فقط — الجزائر على الأرجح على بُعد 8 إلى 12 عاماً من أي نشر فعلي للمركبات ذاتية القيادة؛ الأولوية الآن مراقبة الأطر الدولية لاستيعابها في مسوّدات السياسات المستقبلية
أبرز الأطراف المعنية وزارة النقل، وزارة العدل، قطاع التأمين (SAA، CAAT)، المجلس الوطني للأمن الطرقي، الأوساط الأكاديمية القانونية
نوع القرار توعوي / مراقبة

خلاصة سريعة: تمتلك وزارة النقل والجهاز القضائي الجزائريان نافذة زمنية ثمينة لدراسة نماذج المسؤولية الدولية للمركبات ذاتية القيادة — ولا سيما الإطار البريطاني الواضح المتعلق بـ ASDE والتوجيهية الأوروبية المحدَّثة بشأن مسؤولية المنتجات — قبل أن تطرق هذه المركبات أبواب السوق المحلية. وبالنسبة للمؤمّنين الجزائريين، يمثّل انتقال المسؤولية من السائق إلى المصنّع اضطراباً جذرياً في النموذج الاقتصادي يستحق المتابعة اليوم، لا بعد أن تحلّ التكنولوجيا.

المصادر والقراءات الإضافية