في السباق العالمي لبناء القدرات في مجال الذكاء الاصطناعي، لا يكمن عنق الزجاجة أبدًا تقريبًا في الخوارزميات أو القدرة الحاسوبية — بل في الكفاءات البشرية. الدول التي تُنتج أكبر عدد من الممارسين المؤهلين في الذكاء الاصطناعي ستستحوذ على النصيب الأكبر من القيمة الاقتصادية لهذه التقنية. تدرك الجزائر ذلك، وقد أطلقت أكثر برامج التدريب المحلية طموحًا في شمال أفريقيا في مجال الذكاء الاصطناعي: مبادرة Scale Centers، التي تستهدف تدريب 100,000 متخصص تقني بحلول عام 2027.
يستعرض هذا المقال ماهية مراكز Scale Centers فعليًا، وما الذي تُدرّسه، ومن يديرها، وكيف تقارن بالبرامج المماثلة إقليميًا، والأهم من ذلك — ما إذا كان الهدف قابلًا للتحقيق.
ما هي مراكز Scale Centers؟
مراكز Scale Centers هي مرافق تدريب مكثف ترعاها الدولة، مُدمجة ضمن أو بالقرب من الجامعات الكبرى ومراكز التكنولوجيا عبر الجزائر. على عكس البرامج الجامعية التقليدية (التي تمتد من 3 إلى 5 سنوات وتمنح شهادات أكاديمية)، تقدم مراكز Scale Centers برامج قصيرة ومكثفة وموجهة نحو سوق العمل تتراوح مدتها بين 3 و12 شهرًا، بهدف صريح يتمثل في جعل الخريجين قابلين للتوظيف فورًا في الاقتصاد الرقمي.
أُطلق البرنامج في إطار استراتيجية التحول الرقمي 2030 ويخضع لإشراف وزارة اقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة. يأتي التمويل من مزيج من مخصصات ميزانية الدولة ومساهمات صندوق التحول الرقمي الوطني الجزائري.
تشمل المواقع الحالية لمراكز Scale Centers:
– الجزائر العاصمة (المركز الرئيسي، الأكبر سعةً)
– وهران (الثاني من حيث الحجم؛ مرتبط بمركز البيانات الجديد للذكاء الاصطناعي في وهران)
– قسنطينة (المحور الشرقي)
– عنابة (المدينة الصناعية في الشمال الشرقي)
– باتنة (منطقة الوسط الشرقي)
خطط إنشاء مراكز في تلمسان وبجاية وتيزي وزو وعدة ولايات جنوبية في مراحل مختلفة من التطوير، حيث يجري البناء أو تحديد المواقع.
المنهج الدراسي: ماذا يتعلم الطلاب فعليًا
تقدم مراكز Scale Centers برامج في أربعة تخصصات رقمية رئيسية، كل منها مُوائم مع شهادات معترف بها دوليًا:
1. الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (Machine Learning)
- المسار التأسيسي (3 أشهر): البرمجة بلغة Python، معالجة البيانات باستخدام pandas/NumPy، أساسيات التعلم الآلي باستخدام scikit-learn، الشبكات العصبية الأساسية
- المسار المتوسط (6 أشهر): التعلم العميق (Deep Learning) باستخدام TensorFlow/PyTorch، أساسيات معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، الرؤية الحاسوبية (Computer Vision)، نشر النماذج
- تخصص الذكاء الاصطناعي العربي (إضافة 3 أشهر): معالجة اللغة الطبيعية بالدارجة، معالجة النصوص العربية، مجموعات بيانات تدريبية مُكيّفة ثقافيًا
صُمّم مسار الذكاء الاصطناعي لتخريج كفاءات قادرة على الانضمام إلى فرق الذكاء الاصطناعي في الشركات الجزائرية أو شغل مناصب مبتدئة كمهندسي تعلم آلي — ليس باحثين على مستوى الدكتوراه، بل ممارسين أكفاء قادرين على بناء ونشر أنظمة حقيقية.
2. الأمن السيبراني
- الأساسيات (3 أشهر): أمن الشبكات، إدارة Linux، أساسيات الاختراق الأخلاقي، أطر الأمن (NIST، ISO 27001)
- الأمن التشغيلي (6 أشهر): اختبار الاختراق (التحضير لشهادة CEH)، تدريب محلل مركز العمليات الأمنية (SOC)، الاستجابة للحوادث، أدوات SIEM
- مسار الحوكمة (3 أشهر): قانون حماية البيانات (القانون 18-07)، أطر الامتثال، إدارة المخاطر
نظرًا للمتطلب القانوني الجزائري الجديد (المرسوم الرئاسي 26-07) الذي يُلزم جميع المؤسسات العمومية بإنشاء وحدات أمن سيبراني، فإن مساري الحوكمة ومحلل مركز العمليات الأمنية ذوو قيمة خاصة — فالدولة تخلق بشكل أساسي الطلب الخاص بها على الخريجين الذين تُدرّبهم.
3. الحوسبة السحابية (Cloud Computing)
- برامج مُوائمة مع شهادتي AWS Cloud Practitioner وAWS Solutions Architect Associate
- مسارات Microsoft Azure التأسيسية والإدارية قيد التطوير
- مختبرات عملية باستخدام أرصدة AWS Educate المقدمة من خلال شراكة الجزائر مع AWS
4. هندسة البيانات والتحليلات
- SQL وPython وبناء خطوط أنابيب البيانات (Data Pipelines)
- أدوات ذكاء الأعمال (Power BI، Tableau)
- أساسيات البيانات الضخمة (Hadoop، Spark)
- تصور البيانات وسرد القصص بالبيانات (Data Storytelling) لصناع القرار غير التقنيين
هيئة التدريس وجودة التعليم: المتغير الحاسم
لا يمكن لأي برنامج تدريبي أن يكون أفضل من مدرّبيه. تواجه مراكز Scale Centers توترًا هيكليًا تعاني منه كل مبادرة وطنية للتدريب التقني: أفضل الممارسين يعملون في القطاع الخاص برواتب لا تستطيع المؤسسات العمومية مجاراتها.
الحل الذي اعتمدته الجزائر هو نموذج تدريس هجين:
– المدربون الأساسيون: أساتذة جامعيون متخصصون في المجال الرقمي، يتقاضون رواتب وفق سلالم القطاع العام
– ممارسون من القطاع الصناعي: مدربون بدوام جزئي من شركات التكنولوجيا الجزائرية والشركات متعددة الجنسيات، يتقاضون أتعابًا على أساس كل جلسة
– خبراء دوليون: مدربون عن بُعد أو زائرون من المهنيين الجزائريين في المهجر ومنظمات دولية (بما في ذلك ترتيبات مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبرامج القدرات الرقمية للاتحاد الأوروبي، واتفاقيات ثنائية مع INRIA الفرنسي)
تتفاوت جودة التدريس بشكل ملحوظ من مركز لآخر ومن تخصص لآخر. تميل مسارات الأمن السيبراني والحوسبة السحابية — حيث يُساهم شركاء تجاريون (STC، Cisco، AWS) في المحتوى التعليمي وبعض التدريس — إلى أن تكون الأقوى. أما مسارات الذكاء الاصطناعي، التي تتطلب خبرة أكثر تخصصًا في التعلم الآلي، فتعتمد بشكل أكبر على الجودة المتفاوتة لأعضاء هيئة التدريس الأكاديميين المحليين.
إعلان
المقارنة الإقليمية: أين تقف الجزائر
يُعد برنامج Digital Egypt Builders Initiative (DEBI) المصري أقرب مقارنة إقليمية. أُطلق في عام 2021، ويستهدف DEBI تدريب 100,000 متخصص رقمي في مجالات البرمجة وتحليل البيانات والأمن السيبراني وتصميم تجربة المستخدم (UX). بحلول نهاية 2024، أعلن DEBI عن تسجيل حوالي 65,000 مشارك — رغم أن معدلات الإتمام ونتائج التوظيف لم تُنشر علنًا. يستفيد البرنامج المصري من قاعدة سكانية أكبر (105 مليون نسمة) وأصحاب عمل أكثر نضجًا في القطاع التقني الخاص لاستيعاب الخريجين.
أما برنامج Digital Center المغربي فقد درّب حوالي 30,000 متخصص منذ 2020، مع روابط أقوى مع أصحاب العمل (أقامت كل من Orange وCapGemini وTata Consultancy Services شراكات تدريبية) لكن بحجم إجمالي أقل.
أما Tuwaiq Academy السعودية، التي أُطلقت في 2019، فقد درّبت أكثر من 150,000 شخص على المهارات التقنية عبر معسكرات تدريبية مكثفة (Bootcamps) — وهي المعيار الإقليمي المرجعي. ميزة المملكة العربية السعودية: عائدات النفط التي تموّل منحًا أكثر سخاءً للمتدربين (مما يقلل نسب التسرب) وسوق تقني في القطاع الخاص أكبر بكثير.
هدف الجزائر المتمثل في 100,000 بحلول 2027 قابل للتحقيق من حيث أعداد المسجلين. المقياس الأهم — التوظيف بعد البرنامج في وظائف رقمية — أصعب في القياس وسيحدد ما إذا كان الاستثمار يولّد عائدًا اقتصاديًا.
مسألة التمويل: هل الدورات مجانية؟
بالنسبة للمواطنين الجزائريين، دورات مراكز Scale Centers مدعومة بشكل كبير — يدفع المتدربون رسوم تسجيل رمزية (عادةً بين 2,000 و5,000 دينار، أي ما يعادل تقريبًا 15 إلى 40 دولارًا) لبرامج يتراوح سعرها في السوق التجاري بين 1,500 و5,000 دولار أمريكي. تتوفر منح كاملة للطلاب من العائلات محدودة الدخل وللشباب العاطل عن العمل دون سن الثلاثين المسجلين لدى الوكالة الوطنية للتشغيل (ANEM).
يمكن قبول المشاركين الدوليين على أساس مدفوع، رغم أن هذا المكوّن لم يُسوّق على نطاق واسع بعد.
ما يقوله الخريجون: النتائج الأولى
تحدث ALGmag مع عدة خريجين من مراكز Scale Centers من دفعة 2024:
Rania، 24 عامًا، خريجة أمن سيبراني (مركز الجزائر العاصمة): “كان تدريب محلل SOC عمليًا جدًا. في غضون شهرين من إنهائي للبرنامج، حصلت على عرض عمل من بنك في الجزائر العاصمة. التحضير لامتحان CEH كان مُدرجًا ضمن البرنامج مما ساعد بشكل كبير في المصداقية المهنية.”
Karim، 27 عامًا، خريج حوسبة سحابية (مركز وهران): “مسار AWS كان متينًا لكنني شعرت أنه يحتاج إلى محتوى أكثر تقدمًا بعد الأساسيات. درست ذاتيًا لشهادة Solutions Architect بعد الانتهاء. المركز أعطاني الأساس ورصيد AWS Educate للتطبيق العملي.”
Fatima، 22 عامًا، خريجة ذكاء اصطناعي (مركز قسنطينة): “أساسيات Python والتعلم الآلي كانت ممتازة. وحدة معالجة اللغة الطبيعية العربية كانت فريدة من نوعها — لم أرَ شيئًا مماثلًا في أي مكان آخر في الجزائر. أنا الآن في تدريب ميداني لدى شركة ناشئة تبني روبوتات محادثة (Chatbots) لخدمة العملاء الجزائريين.”
هدف الـ 100,000: تقييم واقعي
بالقدرة الحالية، تُدرّب مراكز Scale Centers حوالي 8,000 إلى 12,000 مشارك سنويًا. لبلوغ 100,000 بحلول نهاية 2027 (أي فعليًا خلال 3 سنوات ابتداءً من 2025)، يجب أن يُضاعف البرنامج حجم إنتاجه السنوي ثلاث مرات تقريبًا — مما يتطلب توسعًا كبيرًا في البنية التحتية المادية واستقطاب المدربين وتطوير المناهج.
هذا قابل للتحقيق بوجود إرادة سياسية وتمويل مستدام. لكنه ليس مضمونًا. أكبر خطرين هما: الضغوط المالية التي قد تُقلّص ميزانية التدريب قبل بلوغ الهدف، وديناميكية هجرة الأدمغة التي تجعل خريجي Scale Centers المُدرّبين تدريبًا جيدًا يُستقطبون فورًا من قبل أصحاب عمل فرنسيين وخليجيين قبل أن يُساهموا في الاقتصاد الجزائري.
إعلان
رادار القرار
| البُعد | التقييم |
|---|---|
| الأهمية بالنسبة للجزائر | حرجة — برنامج Scale Centers هو الآلية الرئيسية للبلاد لسد فجوة المهارات الرقمية |
| الجدول الزمني للتحرك | فوري — المراكز تسجّل حاليًا؛ ينبغي إنشاء شراكات المناهج وقنوات التوظيف في أقرب وقت |
| أصحاب المصلحة الرئيسيون | أصحاب العمل في قطاع التكنولوجيا الباحثون عن كفاءات مبتدئة، مقدمو التدريب، هيئات الشهادات (AWS، Cisco)، أعضاء هيئة التدريس الجامعية، الخريجون العاطلون عن العمل دون سن الثلاثين |
| نوع القرار | استراتيجي |
| مستوى الأولوية | حرج |
خلاصة سريعة: تُخرّج مراكز Scale Centers كفاءات جاهزة للعمل في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحوسبة السحابية — مجالات المهارات الثلاثة الأعلى طلبًا. على أصحاب العمل بناء قنوات توظيف من هذه البرامج الآن. الخطر الأكبر للبرنامج هو هجرة الأدمغة: خريجون مُدرّبون على نفقة الدولة يغادرون للعمل لدى أصحاب عمل فرنسيين وخليجيين.
إعلان