ما وراء إعلانات الإطلاق
تسعى الجزائر منذ عدة سنوات نحو التحول الرقمي الحكومي. توجد الآن عشرات المنصات: Espace Citoyen لوثائق الحالة المدنية، وANEM لخدمات التشغيل، وCNAS للضمان الاجتماعي، وبوابة الديوان الوطني للإحصائيات (ONS)، وTawdif للتوظيف في القطاع العام، وأنظمة متعددة للتسجيل الجامعي. رافقت كل عملية إطلاق إعلانات رسمية وتغطية إعلامية. لكن السؤال الذي يهم 45 مليون جزائري أبسط من ذلك: هل تعمل هذه المنصات بشكل جيد فعلاً؟
هذا ليس سؤالاً سياسياً، بل سؤال تقني. جودة المنصة قابلة للقياس: نسب التوفر، وسرعة تحميل الصفحات، ودرجات الاستجابة على الهاتف المحمول، والامتثال لمعايير إمكانية الوصول، ومعالجة الأخطاء، وتصميم تجربة المستخدم. هذه المقاييس تحدد ما إذا كان بإمكان المواطن تجديد وثيقة في الساعة العاشرة مساءً من هاتفه أو ما إذا كان لا يزال بحاجة للوقوف في طابور أمام مكتب حكومي في السابعة صباحاً. الفجوة بين منصة موجودة ومنصة تعمل بشكل موثوق هي الفجوة بين التحول الرقمي على الورق والتحول الرقمي في الممارسة.
ما يلي هو إطار تدقيق تقني مطبق على أكثر المنصات الحكومية الجزائرية استخداماً، مقارنةً بخدمات مماثلة في المغرب وتونس ومصر. الهدف ليس الانتقاد بل تحديد المجالات التي يحقق فيها الاستثمار في جودة المنصات أعلى تأثير على المواطنين.
الأداء والتوفر: الأساسيات
المقياس الأكثر جوهرية لأي خدمة ويب هو ما إذا كانت متاحة عندما يحتاجها المستخدمون. تستهدف منصات SaaS للمؤسسات عادةً توفراً بنسبة 99.9% — أي حوالي 8.7 ساعات من التعطل سنوياً. تستهدف المنصات الحكومية في الدول المتقدمة عموماً 99.5% أو أعلى. استناداً إلى بيانات المراقبة المتاحة علنياً وتقارير المستخدمين، تُظهر المنصات الجزائرية الرئيسية أنماط توفر غير متسقة تشير إلى قيود في البنية التحتية.
شهدت منصة Espace Citoyen، البوابة الرئيسية لخدمات المواطنين، ازدحاماً ملحوظاً خلال فترات الذروة — خاصةً حول مواعيد تجديد الوثائق وفترات التسجيل عند العودة المدرسية. يبدو أن بنية المنصة تعاني من ارتفاعات حركة المرور، مما يشير إما إلى قدرة توسع غير كافية أو غياب بنية تحتية للتوسع التلقائي (Auto-scaling). خلال موسم التسجيل 2025، أبلغت عدة جامعات عن انقطاعات في البوابة استمرت ساعات، مما أجبر المؤسسات على تمديد المواعيد النهائية. هذه ليست حالات هامشية؛ إنها تمثل اللحظات التي تكون فيها موثوقية المنصة أكثر أهمية.
أداء تحميل الصفحات هو بُعد آخر قابل للقياس. اختبار البوابات الحكومية الجزائرية الرئيسية وفق إطار Core Web Vitals من Google يكشف أنماطاً شائعة: قيم Largest Contentful Paint (LCP) تتجاوز كثيراً 4 ثوانٍ على الاتصالات المحمولة — أعلى بكثير من عتبة “الجيد” البالغة 2.5 ثانية. مقاييس First Input Delay مقبولة عموماً، لكن درجات Cumulative Layout Shift ضعيفة عبر عدة منصات، مما يشير إلى صفحات تقفز وتتغير بصرياً أثناء التحميل. هذه ليست مشاكل تجميلية؛ إنها تسبب مباشرةً إحباط المستخدمين وهجر الجلسات، خاصةً على أجهزة Android منخفضة المواصفات التي تهيمن على السوق المحمول الجزائري.
إعلان
الاستجابة على الهاتف المحمول وإمكانية الوصول
استخدام الإنترنت في الجزائر يتم بشكل ساحق عبر الهاتف المحمول. تأتي حوالي 75-80% من حركة مرور الويب من الهواتف الذكية، معظمها يعمل بنظام Android على أجهزة متوسطة أو منخفضة المواصفات بشاشات تتراوح بين 5.5 و6.5 بوصة. أي منصة حكومية لا تعمل جيداً على الهاتف المحمول تفشل، بحكم التعريف، مع غالبية مستخدميها.
الصورة هنا مختلطة. المنصات الأحدث مثل Espace Citoyen صُممت بتخطيطات متجاوبة، وصفحاتها الرئيسية تُعرض بشكل مقبول على شاشات الهواتف المحمولة. ومع ذلك، تكشف العديد من مسارات المعاملات — تقديم النماذج، وتحميل الوثائق، وعمليات الدفع — عن مشاكل في قابلية الاستخدام على الشاشات الأصغر: حقول إدخال تتطلب التمرير الأفقي، وقوائم منسدلة تُعرض خارج الشاشة، ومخرجات وثائق بصيغة PDF فقط غير قابلة للقراءة على الهاتف المحمول، وواجهات تحميل لا تدعم الالتقاط المباشر بالكاميرا. بوابة التشغيل ANEM، التي يصل إليها الباحثون عن عمل بشكل شبه حصري عبر الهاتف، لا تزال تقدم عدة مسارات عمل رئيسية مصممة فعلياً للحاسوب المكتبي فقط.
الامتثال لمعايير إمكانية الوصول يمثل فجوة أوسع. الاختبار وفق معايير WCAG 2.1 يكشف أن معظم المنصات الحكومية الجزائرية تفتقر إلى ميزات إمكانية الوصول الأساسية: لا نص بديل على الصور، ونسب تباين ألوان غير كافية، وتسميات نماذج مفقودة، ولا دعم للتنقل بلوحة المفاتيح، ولا توافق مع قارئات الشاشة. هذا ليس غير معتاد في المنطقة — المنصات المغربية المماثلة تعاني من فجوات مشابهة — لكنه يعني أن المواطنين ضعاف البصر والمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة الحركية مستبعدون فعلياً من خدمات الحكومة الرقمية. يفرض قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة الجزائري لعام 2023 خدمات عمومية متاحة للجميع، لكن التنفيذ التقني لم يلحق بعد.
تصميم تجربة المستخدم ومعالجة الأخطاء: حيث يضيع المستخدمون
تصميم تجربة المستخدم هو المجال الذي تختلف فيه المنصات الجزائرية بشكل أكبر عن أفضل الممارسات الدولية. المشكلة الجوهرية ليست التصميم البصري — معظم المنصات تبدو احترافية بما يكفي — بل تصميم التفاعل: منطق كيف ينتقل المستخدم من “أحتاج لفعل شيء ما” إلى “تم الأمر”.
تشمل مشاكل تجربة المستخدم الشائعة عبر عدة منصات: عمليات متعددة الخطوات بدون مؤشرات تقدم، بحيث لا يعرف المستخدمون إذا كانوا في الخطوة 2 من 3 أو الخطوة 2 من 12؛ وانتهاء صلاحية الجلسات التي تتخلص من النماذج المملوءة جزئياً بدون تحذير؛ ورسائل أخطاء تُعرض بمصطلحات تقنية أو عبارات عامة (“une erreur est survenue”) بدلاً من إرشادات قابلة للتنفيذ؛ ولا إمكانية لحفظ الطلبات واستئنافها؛ وأنماط تنقل غير متسقة بين أقسام مختلفة من نفس المنصة. بوابة الضمان الاجتماعي CNAS، على سبيل المثال، تتطلب من المستخدمين التنقل عبر سلسلة من القوائم المتداخلة للعثور على معلومات حالة الاستحقاقات التي يمكن عرضها في لوحة تحكم واحدة.
تستحق معالجة الأخطاء اهتماماً خاصاً لأنها تحدد تجربة المستخدم في لحظة أعلى إحباطه. عندما تُرجع منصة حكومية خطأً، يحتاج المواطن لمعرفة ثلاثة أشياء: ما الذي حدث بشكل خاطئ، وهل كان خطأه هو أم مشكلة في النظام، وماذا يفعل بعد ذلك. تفشل معظم المنصات الجزائرية في النقاط الثلاث. أخطاء الخادم (استجابات المستوى 500) شائعة خلال ذروة الاستخدام وتعرض عادةً صفحات خطأ عامة بدون إرشادات لإعادة المحاولة. أخطاء التحقق من صحة النماذج تُعرض كثيراً فقط بعد التقديم الكامل للنموذج بدلاً من عرضها تفاعلياً أثناء الكتابة، مما يعني أن المواطن قد يملأ 20 حقلاً ويقدم النموذج ثم يكتشف أن حقلاً واحداً كان بتنسيق غير صحيح — مع مسح النموذج بالكامل. هذه الأنماط قابلة للإصلاح بممارسات تطوير الواجهة الأمامية القياسية وتمثل بعض التحسينات الأعلى تأثيراً المتاحة.
المقارنة الإقليمية: أين تقف الجزائر
مقارنة منصات الحكومة الإلكترونية الجزائرية مع نظيراتها الإقليمية يوفر سياقاً مفيداً. استثمر المغرب بكثافة في الحكومة الرقمية من خلال وكالة التنمية الرقمية (ADD)، ومنصات مثل بوابة الوثائق المدنية Watiqa ونظام تسجيل الشركات CRI-Invest تُظهر تصميم تجربة مستخدم أفضل بشكل ملحوظ، وأوقات تحميل أسرع، ونسب توفر أكثر موثوقية. يحتل المغرب المرتبة 101 في مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونية للأمم المتحدة 2024؛ بينما تحتل الجزائر المرتبة 116 تقريباً. الفجوة ليست هائلة، لكنها ثابتة عبر المقاييس التقنية.
المنصات الحكومية الإلكترونية التونسية قابلة للمقارنة تقنياً مع نظيراتها الجزائرية في عدة جوانب — مستويات أداء مشابهة، وتحديات مشابهة في الاستجابة على الهاتف المحمول — لكن تونس كانت أكثر جرأة في فتح مكونات مفتوحة المصدر وتبني ممارسات التطوير التكراري. أنتجت شراكة الحكومة التونسية مع منظمات التكنولوجيا المدنية منصات مثل بوابة OpenGov التي تُظهر معايير تطوير ويب حديثة. مصر، بمبادرتها الضخمة Digital Egypt المدعومة بتمويل كبير من البنك الدولي، حققت تقدمات ملحوظة في مجالات محددة: تتعامل منصة Digital Egypt مع ملايين المعاملات شهرياً بأداء مقبول عموماً، رغم أن إمكانية الوصول وتجربة المستخدم بالعربية تظل تحديات عبر المنطقة.
الاستنتاج الرئيسي من المقارنة الإقليمية هو أن المنصات الجزائرية ليست معطلة جوهرياً — بل تعاني من نقص الاستثمار. الفجوة بين الجزائر والرواد الإقليميين ليست فجوة تكنولوجية؛ بل فجوة في العمليات. أنشأ المغرب ومصر فرقاً مخصصة للخدمات الرقمية تضم مصممي تجربة مستخدم ومهندسي أداء ومتخصصين في ضمان الجودة مدمجين في تطوير المنصات. المنصات الجزائرية تُطور عادةً بواسطة مقاولي تكنولوجيا المعلومات وفق مواصفات وظيفية، ثم تُسلم وتُصان بشكل أدنى. سد الفجوة لا يتطلب تكنولوجيا جديدة بل ممارسات تطوير جديدة: مراقبة مستمرة، واختبار المستخدمين، وتحسين تكراري، وفرق مخصصة للمنصات.
إعلان
🧭 رادار القرار
| البُعد | التقييم |
|---|---|
| الأهمية بالنسبة للجزائر | عالية جداً — تؤثر جودة الحكومة الإلكترونية مباشرةً على التفاعلات اليومية لـ 45 مليون مواطن مع الدولة |
| البنية التحتية جاهزة؟ | نعم — المنصات موجودة؛ التحدي هو تحسين الجودة وليس البناء من جديد |
| الكفاءات متوفرة؟ | جزئياً — تمتلك الجزائر مطوري ويب أكفاء، لكن التخصصات في تصميم تجربة المستخدم وهندسة الأداء نادرة |
| الجدول الزمني | فوري — العديد من التحسينات (معالجة الأخطاء، تجربة المستخدم على الهاتف، الأداء) يمكن تنفيذها في أسابيع وليس سنوات |
| الأطراف المعنية الرئيسية | وزارة الرقمنة، الهيئات المشغلة للمنصات (ANEM، CNAS، الجامعات)، اتصالات الجزائر (الاستضافة)، المواطنون |
| نوع القرار | تشغيلي — يتطلب تغييراً في العمليات واستثماراً مستداماً بدلاً من تحولات استراتيجية |
خلاصة سريعة: منصات الحكومة الإلكترونية الجزائرية موجودة وتؤدي الوظائف الأساسية، لكنها تقصر في المقاييس الأهم للمواطنين: الموثوقية تحت الضغط، وقابلية الاستخدام على الهاتف المحمول، والتعافي من الأخطاء. الخبر الجيد أن التحسينات الأعلى تأثيراً ليست مكلفة ولا معقدة تقنياً — تتطلب فرقاً مخصصة للمنصات واختبار المستخدمين وممارسات تطوير تكرارية بدلاً من بنية تحتية جديدة.
المصادر والقراءات الإضافية
- United Nations E-Government Survey 2024 — UN DESA
- Algeria Digital Transformation Strategy — Ministry of Digitalization and Statistics
- Espace Citoyen Platform — Government of Algeria
- Web Content Accessibility Guidelines (WCAG) 2.1 — W3C
- Google Core Web Vitals Technical Documentation — Google Developers
- Morocco Digital Development Agency (ADD) Annual Report — ADD
- Digital Egypt Initiative: Implementation Progress — World Bank
- ANEM Employment Services Portal — ANEM Algeria
إعلان