الذكاء الاصطناعيالأمن السيبرانيالبنية التحتيةالمهاراتالسياسةالشركات الناشئةالاقتصاد الرقمي

الإطار القانوني للجرائم الإلكترونية في الجزائر: من قانون العقوبات إلى الأدلة الرقمية أمام المحاكم

فبراير 26, 2026

cybercrime-legal-framework-digital-evidence-algeria featured image

البنية القانونية: القانون 09-04 وقانون العقوبات

يرتكز الإطار القانوني للجرائم الإلكترونية في الجزائر على ركيزتين أساسيتين: القانون 09-04 المؤرخ 5 أغسطس 2009، المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، وأحكام قانون العقوبات المخصصة للجرائم الإلكترونية المُدخلة بموجب القانون 04-15 المؤرخ 10 نوفمبر 2004. معاً، يُشكلان أحد أكثر الأطر القانونية شمولاً لمكافحة الجرائم الإلكترونية في شمال أفريقيا — على الأقل على الورق.

أسس القانون 09-04 البنية الأساسية للاستجابة للجرائم الإلكترونية. فقد أنشأ الأساس القانوني للمراقبة الإلكترونية للمشتبه بهم في الجرائم الإلكترونية (بإذن قضائي)، وألزم مزودي خدمة الإنترنت بالاحتفاظ بالبيانات لفترة دنيا، ومكّن من التعاون الدولي في التحقيقات، وحدد الإطار المؤسسي للاستجابة الوطنية الجزائرية. عُزز القانون لاحقاً بالقانون 16-02 المؤرخ 19 يونيو 2016، الذي حدد بشكل أكبر الجرائم الإلكترونية وأنشأ لجنة وطنية للوقاية من الإجرام المرتبط بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحته (ONPLCITIC). والأهم أن هذه القوانين أنشأت أيضاً التزام مزودي خدمة الإنترنت ومقدمي الاستضافة بالتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون والحفاظ على الأدلة الرقمية بناءً على طلب قضائي — وهو حكم أصبح ذا أهمية متزايدة مع وصول نسبة انتشار الإنترنت في الجزائر إلى حوالي 77% مطلع 2025، مع 36.2 مليون مستخدم إنترنت وفقاً لـ DataReportal.

تُجرّم أحكام قانون العقوبات المخصصة، المواد 394 مكرر وما يليها (المُدخلة بالقانون 04-15 عام 2004 والمُوسعة بالقانون 16-02 عام 2016)، الجرائم الأساسية: الدخول غير المصرح به لأنظمة المعلومات (394 مكرر)، والبقاء في النظام بعد دخول عرضي (394 مكرر1)، وإدخال أو تعديل بيانات بطريقة احتيالية (394 مكرر2). تتراوح عقوبات الدخول غير المصرح به في صورته البسيطة من ثلاثة أشهر إلى سنة حبساً وغرامات من 50,000 إلى 100,000 دج. وبالنسبة للاعتداءات المتعمدة على البيانات، تزداد العقوبات لتتراوح من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات حبساً وغرامات من 500,000 إلى 2,000,000 دج. الظروف المشددة — استهداف أنظمة الدفاع الوطني أو البنى التحتية الحيوية — يمكن أن تُضاعف العقوبات. تصل الغرامات في الأحكام المضافة بالقانون 16-02 إلى 10,000,000 دج. واجهت الأحكام المتعلقة بصنع أو حيازة أو توزيع أدوات القرصنة انتقادات من مجتمع أبحاث الأمن السيبراني لتأثيرها المثبط المحتمل على البحث الأمني المشروع.

الأدلة الرقمية: الجمع وسلسلة الحفظ والقبول أمام المحاكم

عند وقوع جريمة إلكترونية في الجزائر، تبدأ السلسلة الاستدلالية مع الوحدات المتخصصة في المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN — الشرطة الوطنية) أو الدرك الوطني. يحتفظ كلاهما بوحدات تحقيق مخصصة للجرائم الإلكترونية: المصلحة المركزية لمكافحة الجرائم الإلكترونية (SCLCC) التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني، التي دشنت مقراً موسعاً في الجزائر العاصمة في أكتوبر 2023، والمعهد الوطني للأدلة الجنائية وعلوم الجريمة (INCC) التابع للدرك، الذي يضم قسماً مخصصاً لتكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات. تتولى هذه الوحدات جمع الأدلة والتحليل الجنائي الأولي وإعداد القضايا للملاحقة.

يخضع قبول الأدلة الرقمية أمام المحاكم الجزائرية للإطار الاستدلالي العام لقانون الإجراءات الجزائية، مُكملاً بأحكام القانون 09-04 الخاصة. يتبع القانون الجزائري مبدأ حرية تقييم الأدلة (الاقتناع الشخصي) — يُقيّم القضاة القيمة الإثباتية للأدلة الرقمية بناءً على صحتها وسلامتها وموثوقيتها. لكن التحدي العملي كبير: يجب جمع الأدلة الرقمية وفق إجراءات تحافظ على سلسلة الحفظ، ويجب أن تكون المنهجية الجنائية قابلة للدفاع عنها أمام الاستجواب المتقاطع. لم تعتمد الجزائر بعد معايير رسمية للطب الشرعي الرقمي مكافئة لمعيار ISO 27037 (إرشادات تحديد وجمع واكتساب وحفظ الأدلة الرقمية) على المستوى الوطني، رغم أن وحدات فردية تشير بشكل متزايد إلى المعايير الدولية.

الفجوة بين الأحكام القانونية والقدرة الجنائية حقيقية. استخراج الأدلة من الأجهزة المشفرة والخدمات المستضافة سحابياً (غالباً على خوادم خارج الولاية القضائية الجزائرية) ومنصات المراسلة المؤقتة يتطلب أدوات تقنية وتعاوناً دولياً. استثمر المصلحة المركزية لمكافحة الجرائم الإلكترونية في محطات عمل وأدوات جنائية، لكن حجم قضايا الجرائم الإلكترونية ينمو أسرع من القدرة الجنائية. سجلت المديرية العامة للأمن الوطني حوالي 500 قضية جرائم إلكترونية في 2015 و5,200 في 2020 — تضاعف عشر مرات في خمس سنوات — فيما سجل الدرك بشكل منفصل 1,362 جريمة إلكترونية في 2020 وحده. أرقام مفصلة أحدث غير متاحة علنياً، لكن تقييم INTERPOL لعام 2025 لتهديدات الأمن السيبراني في أفريقيا حدد الجزائر من بين الأهداف الرئيسية للهجمات الإلكترونية في المنطقة، وكشفت Kaspersky عن حظر أكثر من 70 مليون محاولة هجوم إلكتروني تستهدف الجزائر في 2024.

إعلان

الملاحقة والقدرة القضائية

تكشف ملاحقة الجرائم الإلكترونية في الجزائر عن عنق زجاجة هيكلي: الفجوة بين قدرة أجهزة إنفاذ القانون على التحقيق وقدرة الجهاز القضائي على الفصل في قضايا معقدة تقنياً. يتلقى المدعون العامون والقضاة الجزائريون تدريباً متخصصاً محدوداً في تفسير الأدلة الرقمية، ولا يمتلك البلد بعد محاكم أو غرفاً مخصصة للجرائم الإلكترونية. دعم برنامج CyberSouth التابع لمجلس أوروبا وحدات تدريب المدربين في الجزائر، وشارك وزارة العدل في تنظيم مؤتمر وطني حول الجرائم الإلكترونية مع مجلس أوروبا في سبتمبر 2023 — لكن جهود بناء القدرات هذه لا تزال في طور النضج.

يصعب الحصول على معدلات الإدانة في الجرائم الإلكترونية في الجزائر بدقة، إذ لا تنشر وزارة العدل إحصائيات مفصلة للجرائم الإلكترونية. غير أن المصادر القضائية تشير إلى أن غالبية القضايا المُلاحقة تتضمن جرائم بسيطة نسبياً: التشهير والتحرش عبر الإنترنت (المُلاحقين بموجب قانون العقوبات وتعديلات أبريل 2020 التي تُجرم نشر الأخبار الكاذبة)، والاحتيال والنصب المالي، والدخول غير المصرح به لحسابات التواصل الاجتماعي. تُظهر بيانات الدرك أن التشهير والإهانة عبر المنصات الرقمية يمثلان أكثر من 55% من الجرائم الإلكترونية المسجلة، تليها الجرائم ضد الأمن العام وانتهاكات الخصوصية. القضايا المعقدة التي تتضمن سرقة بيانات مؤسسية أو تهديدات مستمرة متقدمة أو هجمات على البنى التحتية نادراً ما تصل إلى الملاحقة — إما لأن نسب الجريمة صعب تقنياً، أو أن المرتكبين خارج الولاية القضائية الجزائرية، أو أن الأدلة الجنائية لا تستوفي عتبة الإثبات.

يُضيف التعاون الدولي طبقة تعقيد أخرى. لم تُصادق الجزائر على اتفاقية الاتحاد الأفريقي للأمن السيبراني وحماية البيانات الشخصية (اتفاقية مالابو)، التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 2023، ولم تنضم إلى اتفاقية Budapest لمكافحة الجرائم الإلكترونية — المعاهدة الدولية الرئيسية لتسهيل التعاون العابر للحدود في الجرائم الإلكترونية. يحد هذا من وصول الجزائر إلى شبكة 24/7 للمساعدة القانونية المتبادلة السريعة التي تتمتع بها الأطراف في اتفاقية Budapest. والجدير بالذكر أن الجزائر ترأس لجنة الأمم المتحدة المخصصة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، التي تتفاوض على اتفاقية أممية منفصلة — مما يُشير إلى انخراط على المستوى متعدد الأطراف حتى مع بقاء آليات التعاون الثنائي محدودة. عندما يعمل المجرمون الإلكترونيون من خارج الجزائر أو يستخدمون بنى تحتية مستضافة في ولايات قضائية أجنبية (وهو الحال دائماً تقريباً في الهجمات المتطورة)، فإن غياب آليات تعاون دولي مُبسطة يُعيق التحقيق والملاحقة بشكل كبير.

أولويات الإصلاح والمسار المستقبلي

لا يعاني الإطار القانوني الجزائري للجرائم الإلكترونية من نقص في التغطية التشريعية — الأحكام الجنائية ملائمة بشكل عام ومقارنة بنظيراتها الإقليمية. الثغرات مؤسسية وإجرائية. تبرز أربع أولويات إصلاحية كالأكثر تأثيراً لتعزيز السلسلة القانونية الكاملة من الحادث إلى الإدانة.

أولاً، توحيد معايير الطب الشرعي الرقمي. اعتماد معياري ISO 27037 وISO 27042 كمراجع وطنية لمعالجة الأدلة الرقمية سيعزز السلسلة الاستدلالية ويقلل الطعون في قبول الأدلة. يمكن للمعهد الجزائري للتقييس (IANOR) تطوير معايير جزائرية (NA) متوافقة مع هذه الأطر الدولية، كما فعل في مجالات تقنية أخرى. يوفر المرجعي الوطني لأمن المعلومات في الجزائر (المنشور عام 2020 والمتوافق مع GDPR وNIST 800-53 وISO/IEC 27002) أساساً، لكن معايير مخصصة للطب الشرعي الرقمي تبقى غائبة. ثانياً، التخصص القضائي. إنشاء غرف مخصصة للجرائم الإلكترونية في محاكم الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة — أكبر ثلاثة أقطاب قضائية — سيُركز الخبرة التقنية ويُحسن جودة الأحكام. يوفر إطار الأمن السيبراني المغربي، المرتكز على القانون 05-20 المتعلق بالأمن السيبراني (2020) والمدعوم بـ 29 وحدة تحقيق متخصصة في الجرائم الإلكترونية، معياراً إقليمياً مفيداً للاستثمار المؤسسي.

ثالثاً، الانضمام إلى اتفاقية Budapest. الانضمام إلى اتفاقية Budapest سيمنح الجزائر الوصول إلى أكثر الآليات الدولية فعالية للتعاون العابر للحدود في الجرائم الإلكترونية، بما في ذلك طلبات الحفظ المُعجلة والمساعدة القانونية المتبادلة. انضمت تونس في مارس 2024، لتصبح الطرف السبعين، والمغرب طرف منذ 2018 — غياب الجزائر عن هذا الإطار يعزل بشكل متزايد استجابتها للجرائم الإلكترونية عن شبكة التعاون الدولي. رابعاً، أحكام حماية الباحثين الأمنيين. تعديل أحكام قانون العقوبات المتعلقة بأدوات القرصنة لتشمل بنوداً صريحة للحماية من الملاحقة للبحث الأمني حسن النية سيتوافق مع الإجماع الدولي المتنامي (المنعكس في إرشادات ملاحقة CFAA 2022 لوزارة العدل الأمريكية وتوجيه NIS2 الأوروبي، الذي يشجع الدول الأعضاء على تبني إرشادات عدم الملاحقة للباحثين الأمنيين) بأن أبحاث الثغرات المُجراة بحسن نية لا ينبغي أن تواجه مسؤولية جنائية.

إعلان

🧭 رادار القرار

البُعد التقييم
الأهمية بالنسبة للجزائر عالية — تضاعفت قضايا الجرائم الإلكترونية عشر مرات في خمس سنوات بينما تبقى قدرة الملاحقة محدودة
الجدول الزمني للعمل 12-24 شهراً — الإصلاح القضائي والانضمام إلى اتفاقية Budapest يتطلبان عمليات مؤسسية
أصحاب المصلحة الرئيسيون وزارة العدل، المديرية العامة للأمن الوطني (SCLCC)، الدرك الوطني، وزارة البريد والاتصالات، IANOR
نوع القرار استراتيجي
مستوى الأولوية عالي

خلاصة سريعة: تمتلك الجزائر نصوصاً ملائمة للجرائم الإلكترونية لكنها تعاني من عنق زجاجة في الملاحقة. الإصلاحات الأكثر تأثيراً ليست قوانين جديدة بل تحسينات مؤسسية: توحيد معايير الطب الشرعي الرقمي، والتخصص القضائي، والانضمام إلى اتفاقية Budapest لتمكين التعاون الدولي الذي تحتاجه كل قضية جرائم إلكترونية خطيرة تقريباً.

المصادر والقراءات الإضافية

Leave a Comment

إعلان