لم يكن الإنترنت مُصمماً ليكون له حدود
التصميم الأساسي للإنترنت — تبديل الرزم والبروتوكولات المفتوحة والاتصال من طرف لطرف — افترض شبكة عالمية واحدة قابلة للتشغيل البيني. لنحو عقدين، صمد هذا الافتراض. كان بإمكان مستخدم في الجزائر العاصمة الوصول إلى نفس المواقع واستخدام نفس التطبيقات والوصول لنفس الخوادم كمستخدم في سان فرانسيسكو أو برلين أو طوكيو. كان المبدأ المعماري بسيطاً: تنقل الشبكة البيانات دون تمييز بناءً على المصدر أو الوجهة أو المحتوى. يواجه هذا المبدأ الآن ضغطاً وجودياً من الحكومات والشركات والقوى الجيوسياسية التي تشد الإنترنت في اتجاهات متناقضة.
مصطلح “السبلنترنت” يصف الواقع الناشئ: منظومات إنترنت متوازية تُحددها حدود وطنية وأنظمة تنظيمية وأيديولوجيات سياسية. جدار الصين الناري العظيم يحجب الوصول إلى Google وFacebook وYouTube وWhatsApp وآلاف الخدمات الأخرى عن أكثر من 1.1 مليار مستخدم إنترنت، مستبدلاً إياها ببدائل محلية (Baidu وWeChat وDouyin). قانون الإنترنت السيادي الروسي (القانون الفيدرالي رقم 90-FZ، الموقع في مايو 2019، مع تصاعد حاد في التنفيذ منذ 2022) يمنح Roskomnadzor القدرة التقنية لعزل قطاع الإنترنت الروسي (Runet) عن الشبكة العالمية. شبكة المعلومات الوطنية الإيرانية (NIN) تُوجّه حصة متزايدة من حركة المرور المحلية عبر بنية تحتية تسيطر عليها الدولة. هذه ليست أمثلة هامشية — إنها تمثل ظروف الوصول للإنترنت لأكثر من ملياري شخص.
لا يقتصر التفتت على الدول الاستبدادية. النهج التنظيمي للاتحاد الأوروبي — GDPR وقانون الخدمات الرقمية وقانون الأسواق الرقمية وقانون الذكاء الاصطناعي — يخلق بيئة قانونية مميزة تُشكل الخدمات المتاحة وكيفية عملها لأكثر من 450 مليون أوروبي. شركات التكنولوجيا الأمريكية تُدير الآن بنى تحتية وسياسات إشراف على المحتوى وممارسات معالجة بيانات منفصلة للسوق الأوروبية. قانون حماية البيانات الشخصية الرقمية (DPDPA) 2023 الهندي، الذي دخل حيز التنفيذ في 2025، يُضيف نطاقاً تنظيمياً آخر. الإنترنت لا ينقسم إلى كتلتين — إنه يتشظى إلى عشرات.
الآليات التقنية للتفتت
يعمل تفتت الإنترنت عبر آليات تقنية محددة تستحق الفهم بدقة، لأنها تُحدد فعالية الانقسام وقابليته للعكس. الأدوات الأربع الرئيسية هي التلاعب بـ DNS وضوابط توجيه BGP (بروتوكول بوابة الحدود) والفحص العميق للرزم (DPI) والتصفية على مستوى التطبيق.
التلاعب بـ DNS هو الأبسط والأكثر استخداماً. عندما تحجب الصين الوصول إلى google.com، تأمر محللات DNS المحلية بإرجاع نتائج زائفة (NXDOMAIN أو إعادة توجيه لصفحة تحذير) للنطاقات المحجوبة. هذا فعال ضد المستخدمين العاديين لكن يُمكن تجاوزه بسهولة باستخدام خوادم DNS بديلة (8.8.8.8 من Google و1.1.1.1 من Cloudflare) أو DNS-over-HTTPS (DoH).
التلاعب بتوجيه BGP أكثر خطورة. BGP هو البروتوكول الذي يُحدد كيف تتدفق حركة المرور بين الأنظمة المستقلة (الشبكات الكبيرة التي تُشكل الإنترنت مجتمعة). TSPU الروسي (الوسائل التقنية لمواجهة التهديدات) — أجهزة DPI مفروضة للتثبيت لدى مزودي خدمة الإنترنت والشبكات بموجب قانون 2019 — يمكنها إعادة توجيه أو حجب حركة المرور على مستوى BGP، مانعة فعلياً الرزم من الوصول للشبكات الأجنبية. هذا ما يُمكّن قدرة “مفتاح الإيقاف” التي اختبرتها روسيا في ديسمبر 2024، عندما فصلت السلطات إقليم داغستان عن خدمات الإنترنت الأجنبية لنحو 24 ساعة. يُضيف DPI التحليل على مستوى المحتوى: بدلاً من مجرد حجب الوجهات، تفحص أنظمة DPI الحمولة الفعلية لرزم الشبكة لتحديد وتصفية بروتوكولات محددة (VPN وTor) أو تطبيقات أو أنواع محتوى.
التكلفة الاقتصادية لهذه التدخلات التقنية كبيرة. كلفت انقطاعات الإنترنت المفروضة حكومياً الاقتصاد العالمي ما يُقدر بـ 7.7 مليار دولار في 2024، وفق Global Internet Shutdown Tracker من Top10VPN — عبر 167 انقطاعاً كبيراً في 28 دولة أثرت على أكثر من 648 مليون شخص. قفز هذا الرقم إلى 19.7 مليار دولار في 2025، بزيادة 156% مدفوعة إلى حد كبير بتدابير السيطرة المعلوماتية الروسية.
إعلان
حيادية الشبكة في 2026: ثلاثة نماذج متباينة
حيادية الشبكة — مبدأ أن مزودي خدمة الإنترنت يجب أن يعاملوا كل حركة الإنترنت بالتساوي، دون حجب أو خنق أو أولوية مدفوعة — كان من المفترض أن تمنع نوعاً آخر من التفتت: اقتصادي بدلاً من سياسي. تطور المبدأ إلى ثلاثة نماذج تنظيمية متميزة لا تُظهر أي علامات تقارب.
النموذج الأوروبي هو الأقوى. لائحة الإنترنت المفتوح (اللائحة 2015/2120) مُطبقة منذ 2016 من BEREC (هيئة المنظمين الأوروبيين للاتصالات الإلكترونية). تحظر الحجب والخنق، وتُقيد ممارسات zero-rating (حيث يُعفي مزودو الإنترنت خدمات محددة من حدود البيانات)، وتشترط الشفافية في إدارة حركة المرور. عُززت عبر أحكام بارزة من محكمة العدل الأوروبية — بما فيها قضايا ضد المشغلين الألمانيين Telekom Deutschland وVodafone، وحكم يوليو 2025 (القضية C-367/24) ضد نظام zero-rating لمشغل روماني.
النموذج الأمريكي انهار. إعادة FCC لقواعد حيادية الشبكة في أبريل 2024 تحت إدارة Biden أُلغيت بالكامل من محكمة الاستئناف للدائرة السادسة في 2 يناير 2025، في حكم بالإجماع وجد أن FCC تفتقر للصلاحية لتنظيم النطاق العريض كخدمة اتصالات من الفئة الثانية — مستشهدة بقرار المحكمة العليا Loper Bright في يونيو 2024. في فبراير 2026، أزالت FCC المُعينة من Trump رسمياً القواعد المتبقية لحيادية الشبكة دون تعليق عام. لا تملك الولايات المتحدة الآن أي حماية فيدرالية لحيادية الشبكة، رغم أن قوانين على مستوى الولايات في كاليفورنيا وكولورادو وواشنطن لا تزال تفرض بعض القيود.
نهج الهند يمثل مساراً ثالثاً. لائحة TRAI لعام 2016 حول حظر التعريفات التمييزية حظرت فعلياً zero-rating — والأبرز حجب مبادرة Free Basics من Facebook. إطار حيادية الشبكة الهندي، المُنفذ عبر تعديلات تراخيص DoT في 2018، من بين الأقوى عالمياً لكنه يواجه تحديات ناشئة من تقسيم شبكة 5G (network slicing).
ما يعنيه التفتت للدول النامية
الدول النامية، بما فيها الجزائر، تتحمل عواقب تفتت الإنترنت دون أن تكون قد شاركت بشكل ذي معنى في وضع القواعد. يخلق السبلنترنت معضلة ثلاثية: التوافق مع المنظومة الرقمية الأمريكية (وقبول هيمنة المنصات الأمريكية والتعرض للمراقبة)، أو التوافق مع النموذج التنظيمي الأوروبي (وتحمل تكاليف الامتثال المصممة لأكبر سوق موحد في العالم)، أو بناء بدائل سيادية (وقبول تكاليف العزلة والابتكار التي تحملتها الصين وروسيا).
معظم الدول النامية تفتقر لحجم السوق الذي يسمح لها بالتفاوض مع أي كتلة من موقع قوة. عندما يتطلب GDPR الأوروبي توطين البيانات أو آليات موافقة محددة، يجب على الشركات الجزائرية التي تخدم عملاء أوروبيين الامتثال بغض النظر عن القانون المحلي. عندما تفرض الولايات المتحدة عقوبات تؤثر على الخدمات السحابية، تفقد الشركات في الدول المتأثرة الوصول للبنية التحتية التي تعتمد عليها. عندما تُصدّر الصين تكنولوجيا المراقبة والرقابة — تحليل CSIS 2025 وثّق اتفاقيات Huawei “المدينة الآمنة” في 52 دولة — تسافر البنية التقنية للتفتت معها.
بالنسبة للجزائر تحديداً، لاتجاه التفتت تداعيات مباشرة. اتصال Algeria Telecom الدولي يعتمد على كابلات بحرية (بما فيها Alpal-2 وSeaMeWe-4 وORVAL وMed Cable Network) تهبط في أوروبا، رابطة البنية التحتية للإنترنت الجزائرية بقرارات التوجيه والربط الأوروبية — رغم أن كابل Medusa القادم، بمرحلته الأولى المتوقعة في 2026، سيُنوع الاتصال عبر البحر المتوسط. إطار الجزائر لحماية البيانات — القانون 18-07، المُعزز بالقانون 25-11 الصادر في يوليو 2025 بمتطلبات جديدة لمسؤولي حماية البيانات وتقييمات الأثر — سيحتاج لإثبات قابلية التشغيل البيني مع GDPR إذا أرادت شركات التكنولوجيا الجزائرية خدمة الأسواق الأوروبية. غياب إطار محلي لحيادية الشبكة يعني أن مزودي خدمة الإنترنت الجزائريين لا يواجهون أي قيد تنظيمي على ممارسات إدارة حركة المرور — فجوة تصبح أكثر أهمية مع استكشاف مشغلي الهاتف المحمول الجزائريين لصفقات تجميع المحتوى وzero-rating. السبلنترنت ليس مجرد مشكلة للقوى العظمى. إنه حالة هيكلية يجب على كل دولة متصلة التعامل معها.
إعلان
🧭 رادار القرار (المنظور الجزائري)
| البُعد | التقييم |
|---|---|
| الصلة بالجزائر | مرتفع — البنية التحتية للإنترنت في الجزائر مرتبطة بالشبكات الأوروبية عبر كابلات بحرية، وثغراتها التنظيمية تُعرضها لتأثيرات التفتت |
| البنية التحتية جاهزة؟ | لا — تفتقر الجزائر للقدرة التقنية لضوابط إنترنت سيادية وليس لديها إطار لحيادية الشبكة؛ قانون حماية البيانات الجديد (القانون 25-11) بداية لكنه غير كافٍ |
| الكفاءات متوفرة؟ | منخفض — خبرة حوكمة الإنترنت في الهيئات التنظيمية الجزائرية ناشئة؛ المشاركة في المنتديات العالمية (ICANN وITU) محدودة |
| الجدول الزمني للعمل | 12-24 شهراً — إطار حيادية الشبكة مطلوب خلال عامين؛ التوافق مع GDPR لقانون حماية البيانات الجزائري أولوية فورية لشركات التكنولوجيا التي تخدم الأسواق الأوروبية |
| أصحاب المصلحة الرئيسيون | ARPCE، وزارة البريد والاتصالات، Algeria Telecom، ICANN، ITU، منظمات المجتمع المدني، شركات التكنولوجيا التي تخدم عملاء أوروبيين |
| نوع القرار | استراتيجي — التموضع ضمن الإنترنت المتفتت يتطلب خيارات سياسية مدروسة حول حيادية الشبكة والسيادة على البيانات والتوافق التنظيمي |
خلاصة سريعة: يتفتت الإنترنت المفتوح على خطوط سياسية واقتصادية وتنظيمية، والعملية تتسارع. بالنسبة للجزائر والدول النامية الأخرى، السؤال الاستراتيجي ليس اختيار طرف بل كيفية الحفاظ على أقصى قدر من قابلية التشغيل البيني مع بناء أُطر تنظيمية — بدءاً بحيادية الشبكة وحماية البيانات — تحمي المصالح الوطنية دون دعوة للعزلة.
المصادر والقراءات الإضافية
- Top10VPN — Global Internet Shutdown Tracker (2024 & 2025 Reports)
- OONI — Open Observatory of Network Interference
- EU Open Internet Regulation 2015/2120 — BEREC
- Sixth Circuit Strikes Down FCC Net Neutrality Order (January 2025) — Davis Wright Tremaine
- TRAI Net Neutrality Framework — Telecom Regulatory Authority of India
- CSIS — Watching Huawei’s Safe Cities (2025)
- Internet Society — Russia’s Sovereign Internet Law
- India DPDPA 2023 Implementation — Hogan Lovells
- Freedom House — Freedom on the Net 2025
إعلان