الذكاء الاصطناعيالأمن السيبرانيالبنية التحتيةالمهاراتالسياسةالشركات الناشئةالاقتصاد الرقمي

الزراعة الذكية في الجزائر: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي إطعام 47 مليون نسمة بكفاءة أكبر؟

فبراير 23, 2026

Aerial drone view of smart agriculture with AI analysis grid over green crop fields in Algeria

تُعدّ الزراعة الركيزة الاقتصادية الثانية للجزائر، إذ تُساهم بنسبة 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي وتُشغّل ما يقارب 10% من القوى العاملة النشطة. غير أن القطاع يواجه تقاطعاً من الضغوط المتصاعدة: شُحّ المياه الذي يتفاقم بفعل التغيّر المناخي، وتدهور جودة التربة في السهول الشمالية المُستغلّة بإفراط، واضطرابات سلاسل الإمداد في مرحلة ما بعد الجائحة، وسكان ينمون بمعدل 1.7% سنوياً ليبلغوا 55 مليون نسمة بحلول عام 2040.

يُوفّر الذكاء الاصطناعي أدوات للتعامل مع كل واحد من هذه التحديات. والسؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على مساعدة الزراعة الجزائرية — فالأدلة العالمية دامغة على ذلك — بل ما إذا كانت الجزائر تمتلك البنية التحتية والكفاءات والإرادة المؤسسية لنشره على نطاق ذي معنى.


الملامح الزراعية للجزائر: الأرقام وراء التحدي

الجزائر هي أكبر بلد في أفريقيا من حيث المساحة (2.38 مليون كم²)، إلا أن 8.5% فقط من أراضيها صالحة للزراعة. تتركّز الأراضي الزراعية القابلة للاستخدام في منطقة التلّ الشمالية، حيث يبلغ متوسط الأمطار 400 إلى 600 ملم سنوياً، وفي الوديان المروية التي تُغذّيها شبكة طبقات المياه الجوفية في جبال الأطلس.

يمتلك الجنوب الصحراوي — الذي يمثّل 85% من المساحة الوطنية — إمكانات زراعية كبيرة بفضل احتياطيات المياه الجوفية، ولا سيما نظام الطبقة المائية للصحراء الشمالية الغربية (NWSAS)، الذي يختزن ما يُقدَّر بنحو 30,000 إلى 60,000 كم³ من المياه الأحفورية. والجزائر بالفعل ثالث أكبر مُنتج للتمور في العالم، تُزرع في واحات الصحراء. لكن الاستغلال المنهجي للإمكانات الزراعية في الجنوب يتطلب ري دقيق يُقلّل إلى أدنى حدّ من النضوب غير القابل للتعويض لاحتياطيات المياه الجوفية.

إحصائيات رئيسية للمحاصيل:
القمح: تُنتج الجزائر 3 إلى 4 ملايين طن سنوياً لكنها تستورد 7 إلى 8 ملايين طن إضافية، ما يجعلها من أكبر مستوردي القمح في العالم ويُنشئ انكشافاً حرجاً في مجال الأمن الغذائي
الخضروات: ينتج سهل متيجة قرب الجزائر العاصمة الطماطم والبطاطس والفلفل للاستهلاك المحلي؛ ويمكن للري المُحسَّن بالذكاء الاصطناعي زيادة الغلّة بنسبة 15 إلى 25% مع توفير 30% من المياه
الثروة الحيوانية: تغطي تربية الأغنام والأبقار 34 مليون هكتار من المراعي السهبية؛ والكشف المبكر عن الجفاف عبر صور الأقمار الصناعية والتحليل بالذكاء الاصطناعي يمكن أن يمنع خسائر الحيوانات التي تُدمّر المجتمعات الرعوية


تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أثبتت قيمتها بالفعل في الزراعة

تحليل صور الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة

أكثر أدوات الذكاء الاصطناعي الزراعية جاهزية للنشر الفوري لا تتطلب أي بنية تحتية أرضية: تحليل صور الأقمار الصناعية. توفّر منصات مثل Planet Labs وSentinel (ESA) وMaxar صوراً يومية أو شبه يومية للأراضي الزراعية الجزائرية بدقة تتراوح بين 3 و10 أمتار. يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي المُدرَّبة على هذه الصور أن:

  • تكشف إجهاد المحاصيل (الإجهاد المائي، نقص النيتروجين، ضغط الآفات) قبل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع من ظهور الأعراض المرئية، مما يتيح التدخل قبل حدوث خسائر في الغلّة
  • تُرسم خرائط لأنواع المحاصيل وتُقدّر إجمالي المساحة المزروعة — وهو ما يتم حالياً عبر مسوحات ميدانية يدوية مكلفة وغير دقيقة
  • تتابع مستويات رطوبة التربة وتُصدر توصيات للري
  • تُحدّد عمليات التجريف غير القانوني أو التعدّي على المناطق الزراعية المحمية

أطلقت وزارة الفلاحة والتنمية الريفية الجزائرية برامج تجريبية في وادي متيجة ووادي الشلف باستخدام صور Sentinel التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، حيث تُحلَّل البيانات بموجب اتفاقيات مع مزوّدي التكنولوجيا الزراعية الفرنسيين. تُظهر النتائج الأولية انخفاضاً بنسبة 12% في استهلاك مياه الري دون أي تراجع في الغلّة في المناطق التجريبية.

الري الدقيق: الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في الواحات الصحراوية

في منطقتي بسكرة وغرداية — قلب إنتاج التمور في الجزائر — يجري نشر أنظمة ري بالتنقيط مزوّدة بمستشعرات IoT لرطوبة التربة في إطار برنامج مدعوم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). تنقل المستشعرات بيانات رطوبة التربة في الوقت الحقيقي إلى منصات سحابية تُطبّق نماذج التعلّم الآلي (Machine Learning) لتحديد التوقيت والحجم الأمثل للري.

الأثر الاقتصادي كبير: يستهلك الري التقليدي لنخيل التمور في الصحراء 40 إلى 50 لتراً لكل نخلة يومياً. يُخفّض الري بالتنقيط المُحسَّن بالذكاء الاصطناعي هذا الاستهلاك إلى 18 إلى 22 لتراً لكل نخلة يومياً — أي خفض بنسبة 50% في المياه يُطيل العمر الإنتاجي لاحتياطيات المياه الجوفية بعقود.

كشف أمراض المحاصيل والآفات

تغطي زراعة الزيتون 400,000 هكتار في منطقتي القبائل وتلمسان. تتسبّب ذبابة ثمار الزيتون (Bactrocera oleae) في خسائر سنوية تُقدَّر بنحو 30 إلى 40% من الإنتاج. يتيح التعرّف على الصور المدعوم بالذكاء الاصطناعي، المُنشَر عبر تطبيقات الهواتف الذكية، للمزارعين تصوير الإصابات المشتبه بها والحصول على تحديد فوري وتوصيات علاجية — دون انتظار الزيارات المكلفة لموظفي الإرشاد الزراعي.

طوّرت شركة جزائرية ناشئة، AgriTech DZ، تطبيقاً للهاتف المحمول مُصمَّماً خصيصاً للتعرّف على أمراض المحاصيل الجزائرية، مُدرَّباً على مجموعة بيانات من الأمراض النباتية في شمال أفريقيا. وُزِّع التطبيق على نحو 15,000 مزارع في ولايتي تلمسان وبجاية بحلول أواخر عام 2025.

التنبؤ بالغلّة واستخبارات السوق

يمكن لنماذج الذكاء الاصطناعي التي تدمج التوقعات الجوية وصور الأقمار الصناعية وبيانات الغلّة التاريخية التنبؤ بأحجام الحصاد الإقليمية قبل 3 إلى 4 أشهر من الحصاد بمعدلات دقة تتراوح بين 85 و90%. بالنسبة لوزارة التجارة الجزائرية التي تُدير الاحتياطيات الاستراتيجية من الحبوب وجدولة مناقصات الاستيراد، فإن توقعات الغلّة المبكرة والدقيقة يمكن أن توفّر 200 إلى 400 مليون دولار سنوياً من خلال ضبط عقود الاستيراد بدقة أكبر مع العجز الفعلي في الإنتاج المحلي.


إعلان

فجوة البنية التحتية: ما الذي ينقص؟

الاتصال في المناطق الريفية

أدوات الذكاء الاصطناعي الزراعية لا تكون مفيدة إلا بقدر ما تُتيحه الاتصالية التي توصلها. تتمتع المناطق الريفية الجزائرية — حيث تقع معظم الأراضي الزراعية — بـتغطية 4G تبلغ نحو 65% اعتباراً من عام 2025، مع مناطق عمياء كبيرة في المناطق الجبلية في القبائل والأوراس ومناطق السهوب الجنوبية. أما شبكة الجيل الخامس (5G)، التي أُطلقت أواخر عام 2025، فهي مقتصرة حالياً على 8 ولايات حضرية.

من دون اتصال محمول موثوق، لا يمكن لتطبيقات الزراعة الدقيقة أن تعمل. تُمثّل التطبيقات القادرة على العمل دون اتصال والمزامنة عند توفّر الاتصال البنية العملية المناسبة على المدى القريب.

تحدي المحو الرقمي لدى المزارعين

تضمّ الجزائر نحو 1.1 مليون حيازة زراعية، الغالبية العظمى منها مزارع عائلية صغيرة بمتوسط مساحة 5 إلى 8 هكتارات. يبلغ متوسط عمر المزارعين الجزائريين 52 عاماً، والمحو الرقمي في هذه الشريحة محدود. ستصل التكنولوجيا التي تتطلب تطبيقاً على الهاتف الذكي وتسجيلاً سحابياً إلى قطاع المزارع التجارية المنظّمة أولاً — ربما 80,000 إلى 100,000 مزرعة — لكنها ستحتاج إلى وسطاء (تعاونيات، موظفي إرشاد، شركات ناشئة في التكنولوجيا الزراعية) للوصول إلى عموم المزارعين.

توفّر البيانات

يتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على الظروف الزراعية الجزائرية بيانات زراعية جزائرية — خرائط تربة، وسجلات غلّة تاريخية، وبيانات محطات أرصاد جوية، ومسوحات جرد المحاصيل. يوجد جزء كبير من هذه البيانات بصيغة ورقية في أرشيفات وزارة الفلاحة، غير مُرقمنة وغير متاحة للتعلّم الآلي. يُعدّ برنامج وطني لرقمنة البيانات الزراعية شرطاً مسبقاً لنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، إلا أنه لم يُعلَن عن أي مبادرة مخصصة لذلك حتى الآن.


النافذة السياسية: الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي وخطط القطاع الزراعي

تُحدّد الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025-2030 صراحةً الزراعة كقطاع ذي أولوية لتطبيق الذكاء الاصطناعي. ويُوفّر صندوق التنمية الزراعية الوطني (FDNA) تمويلاً مدعوماً للاستثمارات في التكنولوجيا الزراعية، بما في ذلك معدات الري الدقيق. ويُحدّد المخطط الزراعي الخماسي 2025-2029 أهدافاً لتوسيع المساحات المروية، واعتماد الزراعة العضوية، ونمو قيمة الصادرات.

البنية السياسية متماسكة. أما تحدي التنفيذ فيكمن في مواءمة طموح الوثائق الاستراتيجية مع الواقع التشغيلي لزراعة مُجزّأة قائمة على الحيازات الصغيرة عبر بلد شاسع جغرافياً ومتنوّع طبوغرافياً.


الفرصة: للشركات الناشئة والمستثمرين والشركاء الدوليين

بالنسبة للشركات الناشئة في التكنولوجيا الزراعية الجزائرية: السوق المستهدف ضخم، والمنافسة ضئيلة، والقدرة الشرائية الحكومية متاحة عبر إعانات FDNA ومشتريات وزارة الفلاحة. أكثر المنتجات قابلية للتطبيق في المرحلة الأولى هي أدوات الاستشارة الزراعية المتنقلة القادرة على العمل دون اتصال وأجهزة التحكم في الري المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقطاعي تمور الصحراء والبستنة.

بالنسبة لشركات التكنولوجيا الدولية: سوق الذكاء الاصطناعي الزراعي الجزائري مفتوح للشراكة مع كيانات محلية. لا يمكن للشركات الأجنبية البيع مباشرة للوزارات الجزائرية دون تأسيس محلي أو شريك جزائري — لكن نموذج المشروع المشترك (Joint Venture) راسخ وقابل للتطبيق.

بالنسبة لمستثمري الأثر: تقع الزراعة الدقيقة في الجزائر عند تقاطع الأمن الغذائي والحفاظ على المياه والتنمية الاقتصادية للمجتمعات الريفية — سردية ESG مقنعة مدعومة بسوق حقيقي وقابل للقياس الكمّي.

إعلان


رادار القرار

البُعد التقييم
الصلة بالجزائر عالية — تُمثّل الزراعة 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي مع انكشاف حرج في الأمن الغذائي على واردات القمح
الجدول الزمني للعمل 6 إلى 12 شهراً — البرامج التجريبية قائمة لكن النشر على نطاق واسع يحتاج بنية تحتية للاتصالية والبيانات
أصحاب المصلحة الرئيسيون الشركات الناشئة في التكنولوجيا الزراعية، مزوّدو الري الدقيق، مزوّدو صور الأقمار الصناعية، وزارة الفلاحة، مستثمرو الأثر، التعاونيات الزراعية
نوع القرار استراتيجي
مستوى الأولوية عالٍ

خلاصة سريعة: سوق التكنولوجيا الزراعية الجزائري ضخم وغير مخدوم بالقدر الكافي ومدعوم بإعانات حكومية عبر FDNA. أكثر المنتجات قابلية للتطبيق هي أدوات الاستشارة الزراعية المتنقلة العاملة دون اتصال وأجهزة التحكم في الري المدعومة بالذكاء الاصطناعي لقطاع تمور الصحراء. يحتاج الشركاء الدوليون إلى هيكل مشروع مشترك محلي.

المصادر

Leave a Comment

إعلان