أزمة الازدحام التي لم يعد بإمكان المدن الجزائرية تجاهلها
كل صباح، تتدفق مئات الآلاف من المركبات نحو الجزائر العاصمة، المدينة التي صُممت بنيتها التحتية الطرقية لخدمة عدد سكان يعادل ثلث حجمها الحالي. تعاني العاصمة من ازدحام مزمن حاد، حيث يقضي المتنقلون بشكل روتيني أكثر من 40 دقيقة في رحلات يُفترض أن تستغرق جزءاً بسيطاً من ذلك الوقت. تواجه وهران وقسنطينة اختناقات مماثلة وإن كانت أقل حدة. التكلفة الاقتصادية مذهلة — فقد وجدت دراسة للبنك الدولي حول القاهرة أن الازدحام يكلف نحو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، ومن المرجح أن أنماطاً مماثلة تنطبق على المدن الكبرى في شمال أفريقيا، حيث تجاوز التوسع الحضري السريع تخطيط النقل.
المشكلة لا تقتصر على السعة الطرقية. استثمرت الجزائر بكثافة في البنية التحتية المادية خلال العقدين الماضيين: الطريق السيار شرق-غرب، ومترو الجزائر العاصمة، وشبكات ترامواي عبر سبع مدن — الجزائر العاصمة ووهران وقسنطينة وسيدي بلعباس وسطيف ومستغانم وورقلة — ودراسات جدوى جارية لخطوط النقل السريع بالحافلات (BRT) على محاور في شرق وغرب الجزائر العاصمة. ومع ذلك يستمر الازدحام لأن طبقة الإدارة — الذكاء الذي ينسق الإشارات ويعيد توجيه حركة المرور ويستجيب للحوادث — لا تزال يدوية وتفاعلية إلى حد كبير.
إدارة المرور بالذكاء الاصطناعي ليست تقنية افتراضية. إنها تعمل اليوم في عشرات المدن حول العالم، من نظام Surtrac للإشارات التكيفية في Pittsburgh — الذي حقق خفضاً بنسبة 26% في أوقات التنقل و31% أقل في التوقفات — إلى مركز العمليات الذكية في الرياض الذي يدير أكثر من 2,000 تقاطع مُشار إليه. السؤال المطروح على الجزائر ليس ما إذا كانت هذه التقنية ناجحة، بل ما إذا كانت هياكل الحوكمة البلدية قادرة على نشرها.
كيف تبدو إدارة المرور بالذكاء الاصطناعي عملياً
التحكم التكيفي بالإشارات هو الطبقة الأساسية. على عكس إشارات المرور ذات المؤقت الثابت — التي تشكل الغالبية العظمى من البنية التحتية للإشارات في الجزائر — تستخدم الأنظمة التكيفية بيانات آنية من الكاميرات أو الحلقات الحثية أو أجهزة استشعار الرادار لتعديل مدة الضوء الأخضر ديناميكياً. يستخدم مشروع Green Light من Google، المنتشر الآن في أكثر من 20 مدينة حول العالم بما في ذلك Abu Dhabi، بيانات التقاطعات من Google Maps لتحسين توقيت الإشارات وقد أفاد بتحقيق خفض يصل إلى 30% في التوقفات و10% في الانبعاثات عند التقاطعات المعالجة.
تضيف الرؤية الحاسوبية طبقة ثانية. يمكن للكاميرات المزودة بالذكاء الاصطناعي اكتشاف الحوادث والمركبات المتعطلة والسائقين المخالفين للاتجاه والمخالفات المتعلقة بالمشاة في الوقت الفعلي. عالجت منصة City Brain من Alibaba، المنشورة في Hangzhou، تدفقات آلاف الكاميرات للكشف عن الحوادث خلال ثوانٍ وإرسال خدمات الطوارئ تلقائياً — حيث انتقلت المدينة من ضمن أكثر ثلاث مدن ازدحاماً في الصين إلى خارج قائمة الثمانين الأولى بعد النشر، مع زيادة بنسبة 15% في متوسط سرعات المرور. في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نشرت هيئة الطرق والمواصلات (RTA) في دبي نظام الكشف عن الحوادث بالذكاء الاصطناعي على طريق Sheikh Zayed، مما أدى إلى تقليص أوقات الاستجابة للحوادث بأكثر من 30%.
يمثل التوجيه الآني وإدارة الطلب المستوى الثالث. يوفر Waze وGoogle Maps بالفعل توجيهاً تشاركياً، لكن التكامل على مستوى المدينة — حيث تُغذي الأنظمة البلدية منصات الملاحة مباشرة ببيانات إغلاق الطرق والأشغال والفعاليات — يبقى نادراً في الجزائر. لا تملك ETUSA (المؤسسة العمومية للنقل الحضري وشبه الحضري للجزائر العاصمة)، التي تشغل أسطولاً من 544 حافلة عبر 186 خطاً تخدم نحو 150,000 راكب يومياً، أنظمة معلومات ركاب آنية يمكنها إعادة توزيع الطلب عبر وسائل النقل المختلفة.
إعلان
نقطة انطلاق الجزائر: فجوات البنية التحتية وأصول غير مُستغلة
البنية التحتية لإدارة المرور في الجزائر غير متساوية. التقاطعات الرئيسية في وسط الجزائر العاصمة مزودة بكاميرات مراقبة، معظمها مثبت لأغراض أمنية، لكنها غير متصلة بأنظمة تحسين حركة المرور. يتوفر ترامواي ومترو الجزائر العاصمة على أنظمة تحكم حديثة، لكن التنسيق بين الوسائط — ضمان التقاء حافلة بترامواي بمترو — يبقى في حده الأدنى. تشغل المديرية العامة للأمن الوطني (DGSN) كاميرات مرور لكن أساساً لأغراض إنفاذ القانون وليس لتحسين التدفق.
غير أن الجزائر تمتلك أصولاً غالباً ما يُتجاهل وجودها. تحسنت البنية التحتية للاتصالات بشكل ملحوظ: تغطية 4G واسعة في المناطق الحضرية، ونشر الألياف البصرية من قبل اتصالات الجزائر في توسع مستمر. يخدم Mobilis وDjezzy وOoredoo مجتمعين نحو 55 مليون مشترك في الهاتف المحمول، مولّدين بيانات تنقل مجهولة الهوية يمكن أن تغذي نماذج المرور. استثمار البلاد في مترو الجزائر العاصمة وسبع شبكات ترامواي عاملة — وهو العدد الأعلى في أفريقيا — يوفر عموداً فقرياً للسكك الحديدية يمكن لشبكات حافلات التغذية المحسّنة بالذكاء الاصطناعي الاستفادة منه.
تذكر استراتيجية الجزائر الرقمية 2030 (SNTN) صراحة مبادرات المدن الذكية ضمن ركائزها الاستراتيجية الخمس، وإن ظلت التفاصيل المتعلقة بإدارة المرور غامضة. أطلقت وزارة الداخلية والجماعات المحلية مشاريع تجريبية للتحصيل الإلكتروني لرسوم العبور على بعض أجزاء الطرق السيارة، وأُنجزت دراسات جدوى BRT لمحاور في الجزائر العاصمة، بما في ذلك خط تجريبي يربط وسط المدينة بمطار هواري بومدين. هذا يشير إلى استعداد مؤسسي لنشر بنية تحتية متصلة. القطعة المفقودة هي مركز موحد لإدارة المرور — غرفة عمليات واحدة تدمج التحكم بالإشارات وتدفقات الكاميرات وبيانات النقل العام وإدارة الحوادث لمدينة معينة.
تحدي الحوكمة: من يدير نظام مرور ذكي؟
الشراء التقني ليس الجزء الأصعب. تتراوح تكلفة أجهزة التحكم التكيفي بالإشارات عادة بين 15,000 و25,000 دولار لكل تقاطع للأنظمة متوسطة المستوى، رغم أن التكاليف تتفاوت كثيراً حسب مصفوفات أجهزة الاستشعار وتعقيد التكامل. يمكن تنفيذ مشروع تجريبي على مستوى المدينة لممر من 50 تقاطعاً في الجزائر العاصمة بأقل من 2 مليون دولار — وهو مبلغ هامشي في ميزانيات البنية التحتية الجزائرية. التحدي الحقيقي هو مؤسسي.
إدارة المرور في المدن الجزائرية مجزأة بين عدة سلطات. تتحكم الولاية (الحكومة المحلية) في البنية التحتية الطرقية. تدير DGSN شرطة المرور وكاميرات الرقابة. تشغل ETUSA والمشغلون الخواص الحافلات. تشغل SETRAM شبكات الترامواي بعد إعادة استيعاب عمليات النقل من المتعاقدين الدوليين. تتحكم وزارة الأشغال العمومية في الطرق السيارة المؤدية إلى المدن. لا توجد جهة واحدة تملك السلطة والوصول إلى البيانات والتفويض لنشر نظام متكامل لإدارة المرور بالذكاء الاصطناعي.
تطلبت عمليات النشر الناجحة في أماكن أخرى وكالات مخصصة. تعمل هيئة النقل البري في Singapore وهيئة الطرق والمواصلات في دبي والهيئة الملكية لمدينة الرياض كل منها على مركزة التخطيط والعمليات وشراء التقنية تحت سقف واحد. بالنسبة للجزائر، سيكون إنشاء هيئة بلدية للتنقل الذكي — حتى كمشروع تجريبي في الجزائر العاصمة — شرطاً مسبقاً.
مسألة الكفاءات قابلة للحل. تُخرّج الجامعات الجزائرية (ESI وUSHTB وجامعة وهران) خريجين في علوم الحاسوب قادرين على تشغيل هذه الأنظمة وتطويرها في نهاية المطاف. يمكن للموردين الدوليين مثل Siemens Mobility وKapsch TrafficCom وHuawei Smart City تقديم عمليات نشر جاهزة مع شروط نقل التكنولوجيا، وهو نموذج سبق أن استخدمته الجزائر في قطاعات أخرى.
▶️ شاهد الملخص المرئي
ملخص مرئي من 60 ثانية
إعلان
🧭 رادار القرار
| البُعد | التقييم |
|---|---|
| الأهمية بالنسبة للجزائر | عالية — الازدحام يكلف مليارات سنوياً والتوسع الحضري يتسارع |
| جاهزية البنية التحتية | جزئية — شبكات الكاميرات والاتصالات و7 شبكات ترامواي موجودة، لكن أنظمة الإشارات التكيفية وتكامل البيانات غائبة |
| الكفاءات المتاحة | جزئية — خريجون أقوياء في علوم الحاسوب من ESI وUSHTB، لكن الكفاءات المتخصصة في هندسة المرور وعمليات الذكاء الاصطناعي محدودة |
| الجدول الزمني | 12–24 شهراً لمشروع تجريبي على ممر واحد؛ 5–7 سنوات لنشر على مستوى المدينة |
| الأطراف المعنية الرئيسية | وزارة الداخلية، ولايات الجزائر العاصمة/وهران/قسنطينة، ETUSA، SETRAM، DGSN، اتصالات الجزائر |
| نوع القرار | استراتيجي |
| مستوى الأولوية | عالٍ |
خلاصة سريعة: ينبغي للسلطات البلدية تكليف إجراء تدقيق لبيانات المرور على ممر رئيسي في الجزائر العاصمة كخطوة فورية. يمكن تنظيم عروض توضيحية من الموردين الدوليين (Siemens وHuawei وKapsch) في غضون أشهر. يجب حل مسألة الحوكمة — من يملك النظام — قبل البدء في إجراءات الشراء.
المصادر والقراءات الإضافية
- Project Green Light by Google: AI-Optimized Traffic Signals — Google Sustainability
- Surtrac Adaptive Signal Control — Carnegie Mellon University
- ADA Deploys Advanced Traffic Management System in Riyadh — Royal Commission for Riyadh City
- Cairo Traffic Congestion Study — World Bank
- BRT Feasibility Studies for Algiers — Transurb
- RATP Dev Algeria References — RATP Dev
- Transport in Algeria — Wikipedia
- ETUSA Bus Network — Entreprise de Transport Urbain et Suburbain d’Alger
- Alstom in Algeria — Alstom
إعلان