الذكاء الاصطناعيالأمن السيبرانيالبنية التحتيةالمهاراتالسياسةالشركات الناشئةالاقتصاد الرقمي

التقنية المدنية والحكومة المفتوحة: كيف تُحوّل التكنولوجيا مشاركة المواطنين في الديمقراطية

فبراير 24, 2026

Featured image for civic-tech-open-government-participation-2026

وعد الديمقراطية المُعززة بالتكنولوجيا

التقنية المدنية — الأدوات والمنصات التي تُمكّن المواطنين من المشاركة في الحوكمة والوصول للمعلومات العامة ومحاسبة المؤسسات — برزت كأحد أكثر تطبيقات البنية التحتية الرقمية أهمية. الفرضية مقنعة: إذا كانت التكنولوجيا قادرة على إزالة الوسطاء من البنوك (التقنية المالية) والتجزئة (التجارة الإلكترونية) والإعلام (المنصات الاجتماعية)، فيمكنها أيضاً إزالة الحواجز بين المواطنين وحكوماتهم. التصويت والاستشارة السياسية وتخصيص الميزانية وملاحظات الخدمات والمساءلة العامة يمكن تعزيزها جميعاً عبر أدوات رقمية مصممة بعناية.

نضج النظام البيئي العالمي للتقنية المدنية بشكل ملحوظ. سوق التقنية الحكومية الأوسع — الذي يشمل مزودي التكنولوجيا الحكومية وأدوات المشاركة المدنية ومنصات مشاركة المواطنين — من المتوقع أن يتجاوز 825 مليار دولار عالمياً في 2026، مع تطبيقات مشاركة المواطنين وحدها بقيمة تتجاوز 112 مليار دولار. منظمات مثل Code for America (الولايات المتحدة) وCode for All (شبكة عالمية تضم 31 منظمة تقنية مدنية) وmySociety (المملكة المتحدة) وOpenUp (جنوب أفريقيا) أثبتت أن التقنية المدنية يمكن أن تتجاوز الجِدّة لتحقق تأثيراً مؤسسياً حقيقياً. تحوّل التحدي من «هل يمكن للتكنولوجيا تمكين المشاركة؟» إلى «هل تزيد فعلاً المشاركة ذات المغزى، أم أنها تُرقمن هياكل السلطة القائمة؟»

التمييز مهم لأن التقنية المدنية يمكن أن تخطئ بطرق خفية. منصة استشارة رقمية مفتوحة تقنياً لكنها متاحة فقط للمواطنين المتعلمين المتصلين والمتمرسين تقنياً قد تزيد عدم المساواة في المشاركة بدلاً من تقليلها. بوابة شفافية تنشر بيانات الميزانية بصيغ لا يستطيع أي مواطن تحليلها تخلق وهم الانفتاح دون جوهره. أفضل مشاريع التقنية المدنية مصممة حول الشمول وسهولة الاستخدام والتأثير الحقيقي على القرارات الحكومية — وليس فقط حول التطور التقني.


دراسات حالة: ما ينجح عملياً

الحوكمة الرقمية في إستونيا هي قصة النجاح الأكثر استشهاداً، ولسبب وجيه. كل مواطن إستوني لديه هوية رقمية (eID) تتيح الوصول لـ 99% من الخدمات الحكومية عبر الإنترنت. X-Road، طبقة تبادل البيانات التي تربط أنظمة المعلومات العامة والخاصة، تعالج أكثر من 1.3 مليار استعلام سنوياً وتتيح تقديم خدمات سلس دون حاجة المواطنين لتقديم نفس المعلومات مرتين. يمكن للإستونيين التصويت إلكترونياً وتوقيع المستندات رقمياً وتسجيل الشركات في 18 دقيقة والوصول لسجلاتهم الصحية. النظام مبني على الشفافية: يمكن للمواطنين رؤية أي مسؤولين حكوميين وصلوا لبياناتهم الشخصية. تُقدَّر التوفيرات بـ 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً، إضافة لتوفير 820 سنة عمل سنوياً عبر تقليل العبء الإداري.

منصة vTaiwan في تايوان تمثل نموذجاً مختلفاً — تداولي وليس معاملاتي. طُوِّرت من قبل مجتمع المبرمجين المدنيين g0v بقيادة رئيسية من Audrey Tang — التي أصبحت لاحقاً أول وزيرة للشؤون الرقمية في تايوان (2022-2024) — تستخدم vTaiwan منصة Pol.is لتمكين التداول الإلكتروني واسع النطاق حول قضايا السياسات. يمكن للمواطنين اقتراح بيانات والتصويت على بيانات الآخرين، وتستخدم المنصة خوارزميات التجميع وتقليل الأبعاد لتحديد مناطق التوافق عبر الانقسامات الأيديولوجية. استُخدمت vTaiwan لتطوير تنظيمات حول UberX وبيع الكحول عبر الإنترنت وصناديق الرمل للتقنية المالية، مع دمج النتائج مباشرة في التشريعات. الابتكار الرئيسي هو أنها تُظهر التوافق بدلاً من تضخيم الخلاف — عكس ديناميكيات وسائل التواصل الاجتماعي. في 2023، كانت vTaiwan واحدة من 10 فرق عالمية اختيرت لمبادرة OpenAI Democratic Input to AI، مُوسّعة نموذجها التداولي نحو حوكمة الذكاء الاصطناعي.

منصة Decidim في برشلونة للميزانية التشاركية تُمكّن المواطنين من اقتراح ومناقشة والتصويت على كيفية إنفاق أجزاء من ميزانية المدينة. سجّل أكثر من 120,000 مقيم على المنصة، مع تخصيص دورة الميزانية الأخيرة (2024-2027) 30 مليون يورو من الإنفاق العام لمشاريع يوجهها المواطنون. Decidim مفتوح المصدر واعتمدته قرابة 90 مدينة ومنطقة ومؤسسة حول العالم — بما فيها Helsinki والمفوضية الأوروبية والجمعية الوطنية الفرنسية وبلديات في اليابان — ليصل لأكثر من مليون مستخدم عالمياً. Porto Alegre في البرازيل كانت رائدة الميزانية التشاركية عام 1989 (قبل العصر الرقمي)، ووجدت دراسة مُحكَّمة نُشرت في World Development أنها قلّصت وفيات الرُضّع بنحو 20% في المناطق المشاركة عبر إعادة توجيه الموارد للمناطق المحرومة. التطور الرقمي للميزانية التشاركية يُوسّع هذا النموذج من مئات المشاركين حضورياً إلى مئات الآلاف إلكترونياً.


إعلان

البيانات الحكومية المفتوحة: الطبقة التأسيسية

تعتمد التقنية المدنية على البيانات الحكومية المفتوحة — مجموعات بيانات قابلة للقراءة الآلية ومتاحة مجاناً تُمكّن المواطنين والصحفيين والمطورين من تحليل أداء الحكومة وتتبع الإنفاق وتحديد الأنماط. شراكة الحكومة المفتوحة (OGP)، التي أُطلقت عام 2011 بثمانية بلدان مؤسسة (البرازيل وإندونيسيا والمكسيك والنرويج والفلبين وجنوب أفريقيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، تضم الآن 74 حكومة وطنية وأكثر من 150 حكومة محلية ملتزمة بالبيانات المفتوحة والمشاركة المدنية والمساءلة العامة. الدول الأعضاء تقدم خطط عمل وطنية بالتزامات محددة وتخضع لمراجعة مستقلة. بشكل لافت، انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من OGP في 2025، تطوّر يؤكد هشاشة التزامات الحكومة المفتوحة حتى في الديمقراطيات الراسخة.

تأثير البيانات المفتوحة قابل للقياس. قدّر تقرير McKinsey Global Institute عام 2013 أن البيانات المفتوحة يمكن أن تولّد 3.2 إلى 5.4 تريليون دولار سنوياً من القيمة الاقتصادية عبر سبعة قطاعات، تشمل الصحة والتعليم والنقل. منصة المشتريات العامة ProZorro في أوكرانيا، المبنية على معايير بيانات العقود المفتوحة، وفّرت أكثر من 8.7 مليار دولار من الأموال العامة منذ إطلاقها، مع توسيع عدد الشركات المحلية المتقدمة للعقود الحكومية من 14,000 في 2014 إلى 140,000 في 2024. نظام التحويل المباشر للمنافع المرتبط بـ Aadhaar في الهند — رغم جدل الخصوصية المستمر — حقق وفورات تراكمية تتجاوز 3.48 لاخ كرور روبية (حوالي 41 مليار دولار) عبر إزالة المستفيدين الوهميين وتقليل تسرّب الرعاية الاجتماعية بنسبة 12.7%، وفق تقرير 2025 من BlueKraft Digital Foundation وBoston Consulting Group.

لكن البيانات المفتوحة وحدها غير كافية. وجد Global Data Barometer — خليفة Open Data Barometer السابق — أنه بينما تحتفظ معظم الدول المستطلعة ببوابات بيانات مفتوحة، فإن نصفها فقط تقريباً ينشر بيانات بصيغ قابلة فعلاً للقراءة الآلية، وأقل بكثير يمكنها إثبات أن البيانات المفتوحة استُخدمت لتحسين المساءلة الحكومية. المشكلة ليست توفر البيانات بل قابلية استخدامها — نشر ملف PDF لجدول ميزانية هو تقنياً «مفتوح» لكنه عملياً عديم الفائدة للتحليل. مبادرات البيانات المفتوحة الأكثر فعالية تجمع بين الصيغ المعيارية (Open Contracting Data Standard، IATI لشفافية المعونة)، وواجهات برمجة التطبيقات للوصول الآني، والمنظمات الوسيطة التي تُحوّل البيانات الخام لأدوات مُوجّهة للمواطنين.


بناء التقنية المدنية في بيئات ضعيفة الثقة

التحدي الأكبر للتقنية المدنية ليس تقنياً بل سياقي: بناء أدوات مشاركة رقمية في بيئات يرتاب فيها المواطنون من المؤسسات الحكومية. نجاح إستونيا هو جزئياً نتاج سكانها الصغير المتعلم ما بعد السوفيتي الذي اختار بفاعلية الحوكمة الرقمية كاستراتيجية لبناء الدولة. تكرار هذا في بلدان ذات ارتياب مؤسسي عميق ومعرفة رقمية محدودة وتاريخ من المراقبة أمر مختلف جوهرياً.

في بيئات ضعيفة الثقة، يجب على التقنية المدنية معالجة ثلاثة مخاطر محددة. أولاً، قلق المراقبة: المواطنون الذين يرتابون من الحكومة قد يخشون أن المشاركة الرقمية تُنشئ سجلاً يمكن استخدامه ضدهم. خيارات المشاركة المجهولة والتشفير من طرف لطرف للملاحظات الحساسة وضمانات حماية البيانات القوية ضرورية لبناء الثقة. ثانياً، خطر الاستيلاء: مصالح قوية قد تتلاعب بمنصات الاستشارة الرقمية عبر التصويت المنظم والحسابات المزيفة أو التأطير الاستراتيجي للأسئلة. يجب أن يتضمن تصميم المنصة حمايات ضد التلاعب — التحقق من الهوية والتحليل الإحصائي لأنماط التصويت والتداول الموجَّه.

ثالثاً، الفجوة الرقمية تخلق عدم مساواة في المشاركة. في الجزائر مثلاً، بلغ انتشار الإنترنت حوالي 80% أواخر 2025، لكن الوصول يبقى مركزاً بشدة في المناطق الحضرية وبين الفئات العمرية الأصغر. منصة مشاركة مدنية متاحة فقط عبر الإنترنت ستستبعد هيكلياً السكان الريفيين والمواطنين المسنين والمجتمعات المهمشة اقتصادياً. التقنية المدنية الفعالة في السياقات النامية يجب أن تكون متعددة الأوضاع — تجمع بين المنصات الإلكترونية وواجهات الرسائل القصيرة والوسطاء المجتمعيين (منظمات محلية موثوقة تُسهّل مشاركة المواطنين غير الرقميين) والدمج مع آليات المشاركة غير المتصلة كالاجتماعات البلدية واللقاءات المجتمعية.

أنجح مشاريع التقنية المدنية في بيئات ضعيفة الثقة تبدأ صغيرة وتبني المصداقية تدريجياً. منصة Ushahidi في كينيا، التي أُنشئت في يناير 2008 لرسم خريطة العنف الذي أعقب الانتخابات بعد الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها عام 2007، اكتسبت الثقة بإثبات أن البيانات التي يُبلغ عنها المواطنون يمكنها دفع المساءلة. أتاحت المنصة لـ 450,000 مستخدم الإبلاغ عن حوادث العنف ورسم خريطتها عبر الرسائل القصيرة والويب، ونُشرت منذ ذلك الحين عالمياً — من زلزال هايتي إلى الربيع العربي. تطبيق UMANG في الهند جمع أكثر من 2,500 خدمة حكومية في منصة واحدة تدعم 23 لغة، بانياً الثقة عبر المنفعة — المواطنون الذين يستخدمون التطبيق لمهام روتينية (دفع الفواتير، طلب الشهادات) يطورون تدريجياً الثقة في التعامل الحكومي الرقمي. الدرس لأي بلد يفكر في الاستثمار في التقنية المدنية هو أن الثقة تُكتسب بالاستجابة المتسقة والمرئية لمساهمات المواطنين، لا بإطلاق المنصات.

إعلان


🧭 رادار القرار (المنظور الجزائري)

البُعد التقييم
الأهمية بالنسبة للجزائر عالية — تواجه الجزائر عجوزات كبيرة في ثقة الحوكمة؛ التقنية المدنية يمكنها إعادة بناء علاقات المواطن-الدولة، لكن التصميم يجب أن يراعي ديناميكيات ضعف الثقة
هل البنية التحتية جاهزة؟ جزئي — انتشار الإنترنت بلغ ~80% واعتماد الهاتف المحمول مرتفع، لكن بنية البيانات الحكومية المفتوحة ضئيلة
هل المهارات متاحة؟ جزئي — تمتلك الجزائر مواهب مطورين قادرة على بناء منصات تقنية مدنية، لكن خبرة تصميم التقنية المدنية المتخصصة (تجربة مستخدم تشاركية، تداول) نادرة
الجدول الزمني للعمل 12-24 شهراً
أصحاب المصلحة الرئيسيون وزارة الاقتصاد الرقمي، وزارة الداخلية (الحوكمة المحلية)، الولايات، منظمات المجتمع المدني، مجتمع مطوري المصادر المفتوحة، الجامعات
نوع القرار استراتيجي

خلاصة سريعة: تُحوّل التقنية المدنية المشاركة المواطنية عالمياً، من الحوكمة الرقمية في إستونيا إلى الميزانية التشاركية في برشلونة. بالنسبة للجزائر، الفرصة كبيرة لكن تحدي بناء المشاركة الرقمية في بيئة ضعيفة الثقة يتطلب تصميماً دقيقاً — خيارات مجهولة، وصول متعدد الأوضاع، والبدء بمشاريع صغيرة تبني المصداقية بإظهار استجابة الحكومة لمساهمات المواطنين.

المصادر والقراءات الإضافية

Leave a Comment

إعلان